منظومة أمنية أميركية وتعاون اقتصادي صيني...هل يصنع ابن سلمان نموذجاً للسياسة السعودية؟

يحاول ولي العهد السعودي الموازنة في علاقاته بين أميركا والصين، والضغط على واشنطن عبر التوجّه نحو بكين في حال رفض أميركي لمطالبه.

  • تسعى واشنطن إلى إضعاف العلاقات بين بكين والرياض.
    تسعى واشنطن إلى إضعاف العلاقات بين بكين والرياض.

ليس خافياً على أحد أنّ هناك علاقة مميّزة تربط الرئيس الأميركي دونالد ترامب بولي العهد السعودي محمد بن سلمان قوامها المصالح المشتركة منذ ولاية ترامب الأولى، وحتى قبل ذلك، إذ إنّ لترامب مصالح خاصة وأعمالاً تجارية في المملكة العربية السعودية. وترجمت هذه العلاقة بالزيارات المتبادلة بين الزعيمين وتوقيع الكثير من الاتفاقيات في مختلف المجالات ولا سيما الدفاعية والتكنولوجية.

ووصف الرئيس الأميركي علاقته بمحمد بن سلمان بأنها "جعلت التحالف الأميركي السعودي أقوى مما مضى"، ولا أدلّ على هذه العلاقة المميّزة التي تربطهما دفاع ترامب عن ابن سلمان، وذلك خلال استقباله ولي العهد السعودي قبل عدة أيام في البيت الأبيض، بشأن اتهامه بقتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي عام 2018، بقوله إنّ ابن سلمان "لم يكن يعلم شيئاً عن مقتل خاشقجي" مناقضاً بذلك تقييماً استخبارياً أميركياً صدر عام 2021، خلص إلى أنّ ولي العهد أجاز عملية الاغتيال.

بطبيعة الحال ساهمت الزيارة الأخيرة لولي العهد السعودي إلى واشنطن في توقيع العديد من الاتفاقيات وتعزيز التعاون في مجال الأسلحة والدفاع والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي والطاقة النووية، وتعميق العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، والتنسيق بشأن تحدّيات الأمن الاقليمي. 

ونجحت الولايات المتحدة الأميركية في إقناع السعودية بزيادة تعهّدها الاستثماري من 600 مليار دولار، والذي تعهّدت به خلال زيارة ترامب الأولى إلى المملكة في أيار/مايو الماضي، إلى تريليون دولار معظمها في مجال الذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات المتقدّمة.

نظرياً تمكّنت السعودية من الحصول على اتفاقيات مهمّة من الولايات المتحدة تساهم في تعزيز وتثبيت دور وموقع الرياض في المنطقة على عدة صعد عسكرية واقتصادية وتكنولوجية. ولكن ما زال الطريق طويلاً لحصولها على ما تريده من الولايات المتحدة الأميركية خاصة أنّ بعض الاتفاقيات المهمّة تحتاج إلى موافقة الكونغرس الأميركي عليها.

كما أنّ ترامب سعى إلى انضمام الرياض إلى اتفاقيات أبراهام وتطبيع العلاقات بين الرياض و"تل أبيب"، ولكن يبدو أنّ هذا الملف شائك أيضاً، وإن كان محمد بن سلمان قد صرّح خلال المؤتمر الصحفي مع ترامب أنّ المملكة "ترغب في الانضمام إلى اتفاقات أبراهام لكن في إطار يضمن السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ويفتح الطريق أمام حلّ الدولتين"، وأضاف أنه أجرى "مناقشة بنّاءة" بشأن هذا الملف مع ترامب، مؤكّداً "سنعمل على ذلك لضمان تهيئة الظروف المناسبة في أقرب وقت ممكن لتحقيق هذا الهدف".

تقرّب الرئيس ترامب من السعودية يحمل أهدافاً عديدة منها ما يتعلّق بزيادة الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة الأميركية ودعم الاقتصاد الأميركي، وتطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية، ومنها ما له علاقة بتقليص نفوذ الصين المتنامي في الشرق الأوسط، ولا سيما في السعودية والإمارات العربية، إذ تثير العلاقات بين الصين ودول المنطقة، خاصة في المجال العسكري والتكنولوجي، قلق واشنطن التي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي.

فيما يتعلّق بالطائرات الأميركية F-35، وافق ترامب على صفقة تسليم الرياض 48 طائرة من طراز F-35، وبغضّ النظر عن العقبات التي يمكن أن تعتري الصفقة بسبب احتمال معارضة الكونغرس الأميركي عليها لاعتبارات عديدة؛ أهمها الحفاظ على التفوّق العسكري الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط، والقلق من تسريب أسرارها إلى الصين، يرجّح أن تكون علاقات السعودية المتنامية مع الصين سبباً رئيسياً وراء قرار الرئيس ترامب المضي قدماً في عملية بيع طائرات F-35.

 وربط صفقة بيع المقاتلات F-35 مع تقليص التعاون مع الصين كانت قد أثارته واشنطن مع الإمارات العربية حيث ألغت صفقة بيع هذا النوع من الطائرات إلى الإمارات عام 2021، بعد رفض الإمارات إزالة معدّات شركة هواوي من على أراضيها عدا عن إبقاء التفّوق العسكري لـ "إسرائيل" في المنطقة.

تتعاون الصين والسعودية في المجال العسكري إذ سبق للرياض أن أبرمت صفقات عسكرية مع بكين حصلت بموجبها الرياض على طائرات من دون طيار وصواريخ باليستية صينية الصنع بسبب رفض واشنطن بيعها هذه الأسلحة. وفي العام 2017 جرى توقيع اتفاقية من أجل إنشاء مصنع طائرات حربية من دون طيّار في المملكة.

بشكل عامّ لا تزال واشنطن متردّدة في تزويد الرياض بأنظمة متطوّرة للحفاظ على التفوّق العسكري النوعي لـ "إسرائيل" في المنطقة، وربما يكون الإعلان عن صفقة طائرات F-35 ضمانة للسعودية في الحصول عليها خشية من أن تقوم الصين ببيع طائراتها J-20 إلى الرياض على الرغم من أنّ المقاتلات الشبحية الصينية خاضعة لقيود تصدير صارمة.

وفي حال فشل بيع صفقة الطائرات إلى الرياض فستلجأ الأخيرة إلى الصين للحصول على أحدث الأسلحة الصينية، ولا سيما في ظلّ سعي السعودية إلى إنشاء قاعدة دفاعية يمكنها من تصميم وبناء وصيانة المعدّات العسكرية المحلية. وأحد أهداف رؤية 2030 هو تصنيع 50% من المعدّات العسكرية السعودية محلياً بحلول عام 2050. وتبدي الصين مرونة في نقل التكنولوجيا ولا تضع شروطاً على بيع أسلحتها كما تفعل الولايات المتحدة الأميركية، ولا تكترث حول التفوّق العسكري لدول المنطقة على "إسرائيل" أو العكس.

حالياً أصبح الشرق الأوسط ساحة صراع بين واشنطن وبكين فيما يتعلّق بالذكاء الاصطناعي إذ تخشى الولايات المتحدة الأميركية من تنامي النفوذ التكنولوجي للصين في المنطقة. وقد أثارت العلاقات التكنولوجية بين السعودية والصين مخاوف لدى كلّ من إدارتي بايدن وترامب إذ منعت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن مبيعات بعض الرقائق الإلكترونية الأعلى قيمة لشركة Nvidia إلى الشرق الأوسط بسبب مخاوف متزايدة بشأن وصول الصين إليها.

وخلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن وقّعت السعودية وأميركا مذكّرة تفاهم في مجال الذكاء الاصطناعي ما منح الرياض إمكانية الوصول إلى ما توصّلت إليه الولايات المتحدة من هذه التكنولوجيا. وبعد سنوات من التردّد في تصدير الرقائق الإلكترونية المتطوّرة إلى السعودية والإمارات خوفاً من وقوعها في أيدي الصين، وافقت وزارة التجارة الأميركية على توريد 70 ألف رقاقة ذكاء اصطناعي متطوّرة إلى الإمارات والسعودية. وتأتي هذه الموافقة في أعقاب قطع شركة G42 الإماراتية الرائدة في مجال التكنولوجيا لعلاقاتها مع عملاق التكنولوجيا الصيني هواوي، وسحب استثماراتها من شركةByteDance  الصينية، وتعهّد شركة HUMAIN السعودية بعدم شراء معدّات هواوي.

وتطلب الولايات المتحدة الأميركية بروتوكولات أمنية صارمة لمنع تحويل المواد إلى الصين حيث يطلب من الشركات الإعلان عن الاستخدامات المخطّط لها ومواقع التخزين والتدابير الأمنية ضدّ عمليات النقل غير المصرّح عنها.

وعلى الرغم من الضغوطات التي تمارسها واشنطن على الرياض لإبعادها عن بكين في مجال التعاون التكنولوجي، إلّا أنّ السعودية عمّقت خلال السنوات الأخيرة من علاقاتها التكنولوجيا مع الصين. فمثلاً تستخدم شركة أرامكو السعودية، أكبر شركة نفط في العالم، منصة الذكاء الاصطناعي الصينية DeepSeek في مراكز البيانات الخاصة بها. ويعتمد جزء كبير من شبكة الاتصالات في السعودية على شركات صينية منها هواوي.

أما فيما يتعلّق بالتعاون في مجال الطاقة النووية، فقد كشف البيت الأبيض عن إعلان مشترك بشأن استكمال المفاوضات حول التعاون في مجال الطاقة النووية من دون ذكر تفاصيل بشأن مشروع اتفاقية التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية بين البلدين والمعروفة بـ اتفاقية 123، والتي يجب مراجعتها من قبل الكونغرس. ومنذ سنوات يجري البلدان محادثات حول التعاون في مجال الطاقة النووية، إلّا أنّ تقدّم المحادثات واجهتها معوقات تتمثّل برفض السعودية شروطاً أميركية بمنع تخصيب اليورانيوم، أو إعادة معالجة الوقود المستنفذ وهما من المسارات التي قد تؤدّي إلى صنع قنبلة نووية.

وأبدى المشرّعون الأميركيون خشيتهم من سباق تسلّح نووي في الشرق الأوسط قد تشعله اتفاقية التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، خاصة أنّ ولي العهد السعودي، كان قد صرّح عام 2018، "أنّ السعودية لا ترغب في امتلاك أيّ قنبلة نووية، ولكن بلا شك إذا طوّرت إيران قنبلة نووية فسنحذو حذوها في أقرب وقت ممكن".

وبعد تعثّر المباحثات بين السعودية والولايات المتحدة الأميركية حول الطاقة النووية المدنية، أشارت صحيفة وول ستريت جورنال عام 2023، إلى أنّ الرياض تدرس عرضاً صينياً لبناء محطة للطاقة النووية في المنطقة الشرقية قرب الحدود مع الإمارات وقطر. وربما أثار التقارب الصيني السعودي في مجال الطاقة النووية قلق ترامب لذلك يسعى إلى إتمام عملية مشروع التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية.

وفي إطار التعاون في مجال المعادن النادرة اتفق الجانبان السعودي والأميركي على الإطار الاستراتيجي للتعاون في المعادن. ويأتي ذلك ضمن محاولة الولايات المتحدة للحدّ من سيطرة الصين على قطاع المعادن النادرة، إذ عمد ترامب خلال الفترة الأخيرة إلى توقيع العديد من الاتفاقيات مع مختلف الدول في مجال المعادن النادرة كاليابان وتايلاند وماليزيا.

تسعى الولايات المتحدة الأميركية من وراء توثيق علاقاتها مع السعودية إلى إضعاف العلاقات بين بكين والرياض، ولا شكّ أنّ زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن، ساهمت في تعزيز العلاقات السعودية الأميركية، وقد تقلّل من اعتماد السعودية على الصين في بعض القطاعات كالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلا أنه من غير المرجّح أن تستغني السعودية عن الصين ولا سيما في ظلّ فقدان الثقة بترامب الذي فرض الرسوم الجمركية على الدول الصديقة والحليفة، فضلاً عن تقلّب السياسة الأميركية تجاه السعودية بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في ظلّ عدم حصول الرياض على ضمانات أمنية وتكنولوجيا من واشنطن.

ناهيك عن التبادل التجاري الكبير بين السعودية والصين والذي وصل العام الماضي إلى 102 مليار دولار أميركي، بينما بلغ التبادل التجاري مع الولايات المتحدة 33 مليار دولار.

 كما شهدت الفترة الأخيرة زيادة في الاستثمارات الصينية في السعودية. ففي ملتقى الأعمال السعودي الصيني الذي جرى في شهر أيلول/سبتمبر الماضي تمّ التوقيع على 42 اتفاقية استثمارية بين شركات صينية وسعودية في قطاعات الصناعات المتقدّمة، والمركبات الذكية، وحلول الطاقة، والأجهزة الطبية، والمعدات، والموارد المعدنية.

يحاول ولي العهد السعودي الموازنة في علاقاته بين أميركا والصين، والضغط على واشنطن عبر التوجّه نحو بكين في حال رفض أميركي لمطالبه، وهو إن كان يفضّل التعاون الأمني والعسكري مع واشنطن والتعاون الاقتصادي مع الصين، إلّا أنّ وقوع السعودية في قلب التنافس الصيني الأميركي قد يجعل استمرار التوازن صعب التطبيق.