بين النظرية والتطبيق: هل يلتزم رئيس الحكومة الجديد برؤية نواف سلام الإصلاحية؟
تكليف سلام لا يمثل مجرّد انتقال تقني في السلطة، بل لحظة فارقة قد تضع لبنان أمام خيارين: إما كسر الجمود وإرساء قواعد جديدة في الحكم، أو الوقوع مجدداً في فخ التعقيدات السياسية.
-
تكليف سلام ليس مجرّد انتقال تقني في السلطة.
لم يتوقّع أحدٌ أن تأخذَ الحربُ هذا المنحى. في غزّة، كانت الحرب ضروساً، عملية مُمنهجة، أبدع الاحتلالُ في إخراج مجازرها. ما حدث لا يترك للشك مجالاً بوجود مخطّط يهدف إلى تدمير مقومات الحياة في القطاع، حيث أبيدت الأحياء وقُتِل عشرات الألوف.
في لبنان، تحوّل الخوف إلى ظلٍّ يرافق الناس خشية امتداد الحرب إليهم فيصيبهم ما أصاب الغزّاوِيّين من بؤس وتشرّد واغتراب. إلّا أنّ تلك المخاوفَ كانت من النوعِ الذي يستشعره المرءُ استباقاً، وإذ به يقع، من دون أن يكون للتنبؤ النفسيّ من أثرٍ يُخفّفِ من وَقْع المفاجأة.
باغَتت أحداثُ أيلول الجميعَ بسرعةِ اندلاعِها وكثافةِ وقائعِها وتداعياتِها الكبيرة. جاءت كعاصفةٍ اجتاحت حياةَ الناس بالقتل والتنكيل والتشريد. وقد انتهت بنتائج لم يتوقّعها أحد، فامتدّت تداعياتُها إلى تحريك الجمود السياسي الذي خنق البلاد، وأعادت خلطَ الأوراقِ في لعبةِ التوازنات الداخلية؛ وذلك في انسجامٍ تامٍ مع طبيعةِ النظام اللبناني، الذي يحتاج كلّ حينٍ إلى خارجٍ يخلّصه من شلله. وما إن انعقد اتفاق وقف النار برعاية إقليمية ودولية، حتى أعلن المعنيّون، في اليوم التالي، عن موعدٍ لجلسةِ انتخابِ الرئيس، ملزمين الجميع بمواجهة استحقاقات بات تأجيلها قاتلاً.
في التاسع من كانون الثاني/يناير من العام الجديد، خلع قائدُ الجيش زيّه العسكري ودخل قصر الجمهورية ضمن توافق خارجي توقّعه وانتظره الجميع. وجاء التكليفُ الحكوميّ سريعاً باسم نواف سلام، الذي خلع بدوره زيّ القضاة، زاهداً برئاسة محكمة العدل الدولية، ليجدَ نفسهُ بين ليلةٍ وضحاها في قلب المسرح السياسي.
لم يكن نواف سلام مجرّد اسم عابر، بل رافق تكليفه سياقٌ مختلفٌ، وتسميةٌ مباغتة، وتوقعاتٌ كثيرة سرعان ما تراكمت حوله. يكفي الظرفُ الذي أتى فيه والتحديات العظيمة التي تنتظره، بدءًا من تأليف الحكومة تلك المهمة، التي أنجزها في أسابيع أربع، والتي سبق أن نظّر لها واقترح وضع مهلة قصوى لا يجوز له تجاوزُها.
وكان هذا الاقتراح واحدًا من جملة اقتراحات حقوقية طرحها في سلسلةٍ من المقالات التي نشرها على مراحل مختلفة من حياته وجمعها في كتاب « لبنان من الأمس إلى الغد » الصادر عام ٢٠٢١. تعدّدت قضايا المقالات، لكنها تمحورت حول مسألةٍ واحدة: الطائفية، سواء في حضورها داخل المجتمع أو في تجلياتها القانونية والدستورية.
تشكّل الهويات والانتماءات الطائفية
فرضت قوى الانتداب الدولةَ الحديثة على مجتمعاتٍ لم تُمهَّد لاستقبالها، فلم تُطِل التأمّل في شروط النجاح ولا في السياقات المحلية، فهي ليست جمعيات خيرية، ولم تكن غايتها بالضرورة بناء أنظمة مستقرّة ومستقلة، بقدر ما كان إعادة تشكيل للهياكل السياسية والاجتماعية وفق مصالحها.
لفترات طويلة انتظمت المجتمعات على شبكات الولاء الشخصي، العشائري، والديني. في لبنان، لم تتطور الدولة ككيان موحد، بل كمسرح لصراع بين عصبيات متنافسة، لكل منها شبكاتها الخاصة من النفوذ. وهو ما أفرز ائتلافًا هشًّا بين مجموعات متناحرة تتقاسم السلطة بدل احتكارها، حيث تحلّ الولاءات الطائفية محل الانتماء الوطني، وتغذّي شبكة معقّدة من الامتيازات والمصالح بدلًا من دولة مركزية تفرض سلطتها.
تتطوّر الهويات الجماعية ليس فقط بناءً على المعتقدات أو القيم الثقافية، بل كنتيجة لظروف سياسية واقتصادية تُعيد تشكيل هذه الهويات بمرور الوقت. يذكر نواف سلام أن الطائفية ليست مجرد شعور انتماء طوعي، بل تحوّلت إلى انتماء قسري تعززه القوانين والأنظمة. خضعت الطائفية في لبنان لإعادة تشكيل مستمرة بفعل تغيّر مراكز النفوذ السياسي وتبدّل الحضارات والهويات الحاكمة.
من أبرز محطات الترسيخ السياسي للطائفية، يظهر نظام المِلل العثماني، الذي منح الطوائف استقلالية واسعة في شؤونها الداخلية، مثل الزواج والطلاق والميراث، مما عزّز دور المؤسّسات الطائفية، وأسّس لتمايز الجماعات على أسس قانونية وإدارية. ومع انهيار الدولة العثمانية، وجدت الطوائف نفسها أمام فراغ سياسي، سرعان ما استغلته سلطات الانتداب الفرنسي لإرساء الطائفية كركيزة أساسية في البنية السياسية اللبنانية، عبر تمثيل الطوائف كمكوّنات سياسية بدلاً من الأفراد.
منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، ثم الميثاق الوطني عام 1943، وصولاً إلى اتفاق الطائف عام 1989، لم تكن الطائفية في لبنان مجرد واقع اجتماعي، بل كانت إطاراً قانونياً مُكرّساً في صلب مؤسسات الدولة. فمنظومة القوانين والتشريعات لم تعكس فقط توازنات القوى القائمة، بل أسهمت في إعادة إنتاجها، حتى أصبحت الطائفية جزءاً لا ينفصل عن بنية الحكم.
كان يُفترض أن يكون اتفاق الطائف خطوة نحو التحوّل إلى نظام مدني، لكنه انتهى إلى إحكام معادلة جديدة عبر إعادة توزيع النفوذ بين الطوائف. فكل نظامٍ، متى لم يتحصّن بمرونة ديمقراطية تُيسِّر له التغيير عند انسداد الأفق، تتبلور فيه تلقائياً آليات تعزّز بقاءه، وتُعيد إنتاجه، ما يؤدي إلى استدامة أزماته السياسية والاجتماعية.
تطرح المقاربة القانونية، التي يتبناها سلام، مسألة جوهرية حول تأثير النظام السياسي على طبيعة العلاقات بين المكونات الاجتماعية المختلفة. يمكن لنظام سياسي أن يعزّز التعدّدية عبر وضع أطر قانونية تُكرّس الفصل بين المجموعات، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسامات. في المقابل، بإمكان النظام أن يعمل على تقليص هذه الفجوات، ليس بإلغاء التعدد، بل بخلق قاعدة مشتركة تسمح بالتفاعل والتكامل داخل إطار وطني أوسع. ليست السياسة مجرّد انعكاس للواقع الاجتماعي، بل هي قوة قادرة على تشكيله، إما بتعزيز الفواصل بين الجماعات وترسيخ انقساماتها داخل مؤسسات الدولة، أو بتهيئة فضاء مشترك يسمح بإعادة تشكيل الهويات في منظومة أكثر تكاملاً وانسجاماً.
مثلاً، عندما يسمح النظام لكل جماعة بإدارة مؤسساتها الخاصة، مثل المدارس، والمحاكم الشرعية، والمؤسسات الصحيّة والخدماتية، فضلاً عن صياغة قوانين انتخابية تعكس التوزيع الطائفي، فإنه لا يعمل فقط على ضمان استمرارية هذه الجماعات، بل يخلق إطاراً قانونياً يعزز استقلاليتها داخل الدولة.
يتعمّق هذا التمايز عندما يقوم النظام السياسي على مبدأ التمثيل الطائفي، بحيث تُوزّع المناصب والسلطات وفق اعتبارات مذهبية أو دينية، كما هي الحال في تحديد انتماء الرؤساء الثلاثة كلٍّ لطائفة مختلفة، أو في الحرص على تحقيق توازن طائفي دقيق عند تشكيل الحكومة، وهو ما يشكّل، عند كل استحقاق، عقبة جدّية أمام أيّ رئيس مُكلّف لاختيار وزرائه تراعي هواجس وضمانات الطوائف.
الإصلاحات القانونية والتحدّيات الراهنة
لا يمكن الحديث عن تجاوز الطائفية من دون مراجعة الإطار القانوني الذي يرسّخها وفق رؤية سلام. فالطائفية ليست مجرّد واقع اجتماعي، بل هي نظام مُحكم يستمدّ قوّته من القوانين التي تجعله القاعدة لا الاستثناء.
لذا، فإن أي تحوّل نحو دولة وطنية حقيقية يتطلّب إصلاحات قانونية تُتيح للأفراد الانتماء إلى فضاء سياسي قائم على المواطنة، بعيداً عن الاصطفاف الفئوي. السياسة ليست ساحة تُدار بحسن النوايا، والأنظمة لا تتغيّر من تلقاء نفسها. إن التغيير لا يتحقق بالانتظار، بل بفرضه عبر آليات دستورية تُلزم الجميع بالعمل وفق قواعد جديدة.
وإذا كان المزاج العام عنصراً مساعداً، فإنه لا يكفي وحده، ما لم يُترجم عبر إصلاحات فعلية في قانون الانتخاب تمنح القوى العابرة للطوائف فرصة حقيقية للمشاركة، بدلاً من بقائها على الهامش رهينة نظام يعيد إنتاج نفسه باستمرار.
يلفتُ سلام إلى أن المعضلة لا تكمن فقط في الطائفية بحد ذاتها، بل في الثغرات الدستورية التي تُبقي النظام السياسي في حالة تعطيل دائم. فانتخاب رئيس للجمهورية لم يعد ممكناً خارج التوافق والتسويات، والأمر ذاته ينطبق على تشكيل الحكومات، وصولاً إلى تحديد جدول أعمال مجلس النواب قبل انعقاده؛ كلها عوامل تكرّس الشلل المؤسسي وتعطي الطوائف حقاً في التعطيل. كذلك، يدعو إلى تعزيز استقلال القضاء بعزله عن التدخلات السياسية وبضمان تعيين القضاة بشفافية.
كما يرى في اللامركزية الإدارية الموسعة وسيلة لتقليص البيروقراطية المركزية، من دون الانزلاق إلى أشكال من اللامركزية الطائفية التي قد تهدد وحدة الدولة. إذا تبنّى رئيس الحكومة الجديد جدّياً طروحاته هذه ذات الطابع الحقوقي، فإنه يواجه اختباراً صعباً، خصوصاً أنه يتولى مسؤولية تنفيذية لا تشريعية؛ فكيف يتمكّن من ترجمتها إلى إصلاحات ملموسة داخل نظام يقاوم التغيير في غياب صلاحيّات تشريعية استثنائية؟
لا تقتصر الحاجة على الإصلاحات فحسب، بل تمتد إلى معالجة التحدّيات التي يواجهها بلدٌ يخرجُ للتو من حربٍ خلّفت خسائر مادية وبشرية فادحة. من هنا، تتجاوز الأولويات التعديلات الدستورية لوضع البلد على مسار التعافي من لوثة الطائفية. فلبنان يواجه تحدّياً هائلاً في إعادة الإعمار، وسط انهيار اقتصادي غير مسبوق، وانعدام ثقة بالمؤسسات الرسمية، ما يجعل أي مشروع إصلاحي مرهوناً بقدرة الدولة على استعادة ثقة الداخل والخارج فيها، وضمان عدم تكرار سيناريوهات الفساد.
تتعقد التحديات الداخلية أكثر عند النظر إلى الواقع الأمني. فالاعتداءات الإسرائيلية اليومية لا تقتصر على تحركاتها المنفلتة أرضاً وجواً، وافتعالها ما يروق لها من أذى، بل تشمل أيضاً احتلالها أجزاء من الحدود الجنوبية. وإذا أُخذت التغيّرات السّورية في الحسبان، وما يدور من اضطراب على الحدود معها، يجعل ذلك كلّه أي خطّة اقتصادية أو سياسية رهينة لاستقرار أمني هشّ. لذا، فإن بناء دولة قوية لا يقتصر على الإصلاحات الداخلية، بل يتطلب كذلك صياغة استراتيجية دفاعية، تمنح الدولة الأدوات اللازمة لحماية سيادتها على المستويين الدبلوماسي والعسكري.
لا يمكن لأي حكومة جديدة تجاهل هذه الضرورة، إذ لم يعد الدفاع الوطني مسألة رأي سياسي، بل بات خياراً ملحّاً لضمان الأمن القومي وتحديد مسؤوليات الدولة في هذا المجال. لكن، في ظل نفوذ خارجي يتحكم بمسارات القرار السياسي، تبقى أي محاولة لبناء استراتيجية دفاعية مستقلّة تحدياً بالغ الصعوبة، حيث تتحوّل كل خطوة في هذا الاتجاه إلى معركة مفتوحة بين مصالح متضاربة، تتطلب إرادة سياسية صلبة، قادرة على تجاوز التجاذبات وإعلاء المصلحة الوطنية.
تكليف سلام ليس مجرّد انتقال تقني في السلطة
لا بد من الإشارة إلى أن السياسة والقضاء يعملان وفق منطقين مختلفين تماماً. فإذا كان القضاء يشبه الرياضيات، حيث تستند الأحكام إلى قواعد ثابتة ومعايير صارمة، حتى لو احتاجت إلى اجتهاد وتأويل، فإنّ السياسة أقرب إلى الهندسة، إذ لا يكفي فهم المبادئ النظرية وتأويلها، بل يجب التعامل مع تعقيدات الواقع، وإيجاد حلول عملية تتناسب مع الظروف المتغيرة.
وهذه التفرقة ليست مجرّد تفصيل أكاديمي، بل تُشكّل مفتاحاً لفهم التحديات التي تواجه نواف سلام. فدوره لن يكون مجرد تصحيح اختلالات كما يفعل القاضي حين يطبّق القانون، بل إعادة تصميم نموذج سياسي قادر على التكيّف مع التوازنات الداخلية والتحديات الخارجية.
تكليف سلام لا يمثل مجرّد انتقال تقني في السلطة، بل لحظة فارقة قد تضع لبنان أمام خيارين: إما كسر الجمود وإرساء قواعد جديدة في الحكم، أو الوقوع مجدداً في فخ التعقيدات السياسية التي تجهض أي محاولة للإصلاح.
ومع تبعات الحرب الأخيرة وهشاشة الواقع الاقتصادي، وتواصل التهديدات الأمنية من كل الجهات، لا يمكن حصر برنامج الحكومة بإصلاحات قانونية تحضيراً للانتخابات النيابية المقبلة؛ بل ينبغي رسم رؤية استراتيجية متكاملة تربط بين إعادة الإعمار، والنهوض الاقتصادي، وتعزيز السيادة والاستقرار الأمني.
فهذه ليست عناصر منفصلة، بل متغيرات متداخلة في معادلة واحدة، إذ لا يمكن تحقيق أي تقدم، في هذه المرحلة، من دون مراعاة التوازن بين الأمن، والاقتصاد، والإعمار.