الصين ودعم خطة مصر لإعادة إعمار قطاع غزة
من المتوقّع أن تدعم الصين عملياً خطة مصر لإعادة إعمار قطاع غزة عبر المشاركة في المؤتمر الدولي لإعادة الإعمار الذي تستضيفه مصر الشهر المقبل بالتعاون مع الحكومة الفلسطينية والأمم المتحدة.
-
دور الصين مهم جداً من أجل إنجاح الخطة المصرية.
أيّد القادة العرب خلال القمة العربية الاستثنائية التي عقدت في القاهرة في 4 آذار/مارس الحالي الخطة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة من دون تهجير سكانه.
وأتت الخطة بديلاً عن الخطة التي اقترحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تتضمّن تهجير أهالي قطاع غزة البالغ عددهم 2.4 مليون شخص إلى مكان آخر، ولا سيما مصر والأردن، وسيطرة أميركا على القطاع لبناء مشروع استثماري سياحي أسماه ترامب "ريفييرا الشرق الأوسط".
ولقي المقترح الأميركي ترحيباً كبيراً من جانب "إسرائيل" التي بدأت العمل على إنشاء "مديرية هجرة" داخل وزارة الدفاع مهمّتها تنظيم عمليات ترحيل الفلسطينيين من قطاع غزة، بينما عارض عدد كبير من دول العالم المقترح الأميركي.
بالمقابل حظيت الخطة المصرية، التي تقدّر تكلفة إعادة إعمار غزة بـ 53 مليار دولار أميركي، على مدى خمس سنين، بتأييد دولي واسع، في حين قوبلت برفض إسرائيلي واعتبرتها واشنطن "غير الواقعية".
أيّدت الصين الخطة المصرية لإعادة الإعمار، وكان موقفها منتظراً وطبيعياً نظراً لأنّ بكين تدعم القضية الفلسطينية وتدعو دائماً إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود العام 1967 عاصمتها القدس الشرقية. وترى بكين أنّ تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة من شأنه أن يمحو رؤية حلّ الدولتين، ويزيد من معاناة الشعب الفلسطيني والتوترات والفوضى في منطقة الشرق الأوسط.
تشدّد الصين دائماً على رفضها لتهجير أهالي قطاع غزة، وتؤكّد أنّ غزة للفلسطينيين وهي جزء لا يتجزّأ من الأراضي الفلسطينية. وهذا ما عبّر عنه وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، خلال مؤتمر صحافي حول السياسة الخارجية والعلاقات الخارجية للصين على هامش الدورة الثالثة للمجلس الوطني الـ 14 لنوّاب الشعب الصيني الذي عقد مؤخّراً، إذ قال إن غزة تنتمي إلى الشعب الفلسطيني وهي جزء لا يتجزّأ من الأراضي الفلسطينية.
كما أكد المسؤول الصيني أنّ تغيير وضع غزة بالقوة لن يجلب السلام، إذ لدى بكين قناعة بأنّ عدم قيام دولة فلسطينية مستقلة سيؤدّي إلى استمرار التوترات والحروب بين "إسرائيل" والمقاومة الفلسطينية، وستمتدّ لتشمل دولاً أخرى كما حصل مع فتح جبهات الإسناد في لبنان واليمن بعد عملية طوفان الأقصى.
وتهجير الفلسطينيين إلى دول مجاورة من شأنه أن يزيد الفوضى في المنطقة. لذلك ترى الصين أن الخيار الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار هو حلّ الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وإعادة إعمار قطاع غزة من دون تهجير سكانه.
لم تتوانَ الصين خلال السنوات الماضية عن تقديم أنواع الدعم كافة لحلّ القضية الفلسطينية حتى إنّ هذا الأمر كان دائماً محور خلاف بين بكين و"تل أبيب"، على الرغم من أن علاقات الجانبين كانت تشهد قبل عملية طوفان الأقصى تطوّراً متزايداً، إلا أنه مع شنّ "إسرائيل" حربها على قطاع غزة، توترت العلاقات بينهما على خلفيّة عدم إدانة بكين لحركة حماس وإدانتها بالمقابل لأفعال "إسرائيل" التي وصفتها بأنها تجاوزت نطاق الدفاع عن النفس ودعتها مراراً إلى وقف عقابها الجماعي على سكان القطاع، ودعمها الدائم لحلّ الدولتين الذي رفضه رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو، وموقف الصين في المحافل الدولية المؤيد للقضية الفلسطينية.
فمثلاً أثار قول المستشار القانوني لوزارة الخارجية الصينية، ما جين مين، أمام محكمة العدل الدولية العام الماضي، الذي اعتبر فيه أن "إسرائيل" دولة أجنبية تحتل فلسطين، ومن ثم فإن حقّ الدفاع عن النفس يقع على عاتق الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، أثار استياء الكيان الصهيوني.
وعملت بكين على عقد اجتماعات للفصائل الفلسطينية، من بينها حركتا فتح وحماس، لتعزيز الوحدة الفلسطينية وتشكيل حكومة وفاق وطني تمارس صلاحياتها على الأراضي الفلسطينية كافة، كما أرسلت المساعدات الإنسانية الطارئة إلى القطاع.
عدا عن دعمها الثابت للقضية الفلسطينية، ورغبتها في إيقاف الظلم التاريخي الذي تعرّض، وما زال يتعرّض له الفلسطينيون، ترى الصين أنّ تهجير الفلسطينيين وعدم إقامة دولة فلسطينية من شأنه أن يزيد التوترات في المنطقة، وبالتالي التأثير على مصالحها الاقتصادية فيه، إذ تعمل الصين على زيادة استثماراتها في منطقة الشرق الأوسط ضمن مبادرة الحزام والطريق، ونسف مبدأ حلّ الدولتين يعيق طموح وخطط الصين تجاه توطيد علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع دول المنطقة كافة.
ومن جهة أخرى، لبكين علاقات جيدة مع الدول العربية، والقضية الفلسطينية هي قضية محورية وجوهرية في العالم العربي، لذلك دعم القضية الفلسطينية والعمل على حلّ الدولتين يزيد الثقة بين الصين والدول العربية. فخلال منتدى التعاون الصيني العربي الذي عقد العام الماضي اتفق القادة المجتمعون على مواصلة التنسيق لدعم القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولة فلسطينية على خطوط 1967 عاصمتها القدس الشرقية، كما شدّدوا على أهمية التعاون العربي الصيني للإسهام في تحقيق الأمن والسلم الدوليّين بما يدعم تعدّدية الأطراف بدلاً من الهيمنة في العلاقات الدولية.
تصرّح الصين دائماً أنها ستواصل السعي لتحقيق العدالة والسلام والتنمية لشعوب الشرق الأوسط، وترى أن تحقيق التنمية عبر زيادة التبادل التجاري والاستثمارات يمكن أن يساهم في تحقيق العدالة والسلام. ولكنّ الشرق الأوسط هو منطقة ملتهبة يشهد دائماً توترات ونزاعات وحروباً تعيق عمل الصين لتحقيق طموحها وتوسّعها في المنطقة، فضلاً عن النفوذ الأميركي فيه الذي يقف حجر عثرة في طريق أيّ تقارب صيني عربي.
كما أنّ تدخّل الصين لتحقيق الأمن والسلام في الشرق الأوسط هو تدخّل حذر نظراً لأنها لا تريد الغوص في مشكلات المنطقة التي قد تلهيها عن خططتها لتعزيز اقتصادها وزيادة نموها ومعالجة مشكلاتها الداخلية، فضلاً عن أنّ مشكلات وتوترات الشرق الأوسط لا تنتهي وتتجدّد بين الحين والآخر.
من المتوقّع أن تدعم الصين عملياً خطة مصر لإعادة إعمار قطاع غزة عبر المشاركة في المؤتمر الدولي لإعادة الإعمار الذي تستضيفه مصر الشهر المقبل بالتعاون مع الحكومة الفلسطينية والأمم المتحدة، ويستهدف التمويل اللازم لتنفيذ الخطة المصرية علماً أن الصين كانت قد أرسلت بالفعل المساعدات الإنسانية لأهالي قطاع غزة.
ودور الصين مهم جداً من أجل إنجاح الخطة المصرية، وقطع الطريق على تطبيق مقترح ترامب، الذي يستهدف الصين في أحد أهدافه، عبر ضمّ غزة إلى الممر الهندي الشرق أوسطي الأوروبي الأميركي الذي أعلن عنه ترامب خلال اجتماعه مع رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي الشهر الماضي، ويعتبر هذا الممر منافساً لمشروع الحزام والطريق الصيني.
من الممكن أن تعترض الولايات المتحدة الأميركية على دخول الشركات الصينية قطاع غزة للمساهمة في إعادة الإعمار خاصة في ظل المنافسة بين البلدين، إلا إذا تمّ عقد صفقات بين بكين وواشنطن حول ذلك. وفي حال المعارضة الأميركية لمشاركة الشركات الصينية، فإن هذا لا يمنع الصين من دعم قطاع غزة عبر تقديم الدعم المالي لصندوق إعادة إعمار قطاع غزة، وإرسال المساعدات الإنسانية ولا سيما الخيم والبيوت المتنقلة والأدوية، كما دعم تشكيل لجنة الإسناد المجتمعي لإدارة قطاع غزة إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.