أمن المستضعفين: نحو نظرية أمنية تحرّرية خارج النموذج الغربي

يتجاوز الكتاب فكرة الأمن التقليدية، ليعرضه كأداة تحرر حضاري، حيث يصبح الأمن وسيلة لبناء مجتمع قادر على تقرير مصيره، والتحرر من التبعية الفكرية والسياسية والاقتصادية.

  • أمن المستضعفين: نحو نظرية أمنية تحرّرية خارج النموذج الغربي
    أمن المستضعفين: نحو نظرية أمنية تحرّرية خارج النموذج الغربي

في عالم تتشابك فيه مصالح القوى الكبرى وتتصارع فيه مشاريع النفوذ، يبقى سؤال الأمن أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا على الدول والمجتمعات. ولطالما ارتبط مفهوم الأمن في الفكر الغربي بحماية حدود الدولة وصون النظام السياسي القائم، مع إيلاء أولوية قصوى للمصالح الاقتصادية للنخب الحاكمة، من دون النظر الكافي إلى واقع المجتمعات المستضعفة أو قدرتها على المشاركة الفاعلة في صناعة أمنها. في هذا السياق، يقدّم كتاب "أمن المستضعفين"  للباحث اللبناني هادي قبيسي مقاربة شاملة، تسعى إلى إعادة تعريف الأمن انطلاقًا من رؤية تحررية، تستلهم القرآن الكريم، وفكر المرشد السيد علي الخامنئي، وتجربة محور المقاومة. ويهدف الكتاب إلى تحويل المستضعفين من متلقّين سلبيين لمعادلات القوة إلى فاعلين أساسيين قادرين على تحديد مسار أمنهم.

الأساس الفكري: رؤية المرشد الخامنئي

يستند قبيسي إلى خطابات المرشد السيد الخامنئي في صياغة تصور أمني يربط بين القوة والمقاومة والوعي الاجتماعي. فوفقًا للخطاب الذي يوثقه الكتاب، يعتبر الإمام أن المستضعفين يمتلكون القدرة على بناء منظومات أمنية مستقلة إذا ما تحرروا من تبعية القوى الكبرى واستندوا إلى وعيهم الذاتي وإيمانهم الجماعي. وفي هذا السياق، يشدد الكتاب على أن الشعب المؤمن هو المصدر الحقيقي للقوة، وأن الاعتماد على الذات هو نهج لبناء قدرة دفاعية متكاملة، مع الالتزام بالقيم والمبادئ لضمان التماسك الاجتماعي والثقافي.

يتناول قبيسي في الكتاب مفهوم "الأمن المقاوم" الذي يعتمد على التراكم التدريجي للقدرة في مختلف المجالات: العسكرية، والاقتصادية، والعلمية، والثقافية. ويرى أن الأمن لا يتحقق بمجرد تعزيز القوة العسكرية أو إنشاء أجهزة استخبارية، بل من خلال تكامل كل هذه الجوانب مع المشاركة الشعبية وبناء مجتمع واعٍ قادر على الدفاع عن نفسه ومصالحه.

الأمن المقاوم: عناصره ومقوماته

يقدّم الكتاب عناصر متعددة للأمن المقاوم، منها:

التعبئة الشعبية والوعي الجماعي: إذ يمثل المجتمع القاعدة الأساسية لأي مشروع أمني. ويؤكد الكتاب، مستندًا إلى فكر المرشد السيد الخامنئي، أن الشعب الواعي هو الدرع الأول والأقوى لأي تهديد خارجي أو داخلي.

الاعتماد على الذات الاقتصادية والعلمية: فالقوة الاقتصادية والتكنولوجية تمثل ضمانة للاستقلالية، وتوفر موارد حقيقية للتصدي للهيمنة.

البعد القيمي والثقافي: إذ يشكل الالتزام بالقيم والمبادئ الثقافية والدينية عنصرًا أساسيًا في صمود المجتمع، حيث يمثل الوعي بالعقيدة والأخلاق قاعدة لتحصين الهوية الوطنية.

التدرج والمرونة في بناء القوة: فالنهج التدريجي يتيح تكييف الموارد مع متغيرات الميدان السياسي والعسكري، ويقلل من التعرض لمخاطر الانهيار المفاجئ.

التطبيقات العملية: محور المقاومة وحزب الله كنموذج

يعرض قبيسي التجربة اللبنانية، ولا سيما حزب الله، كنموذج عملي لتطبيق هذه النظرية. فالنجاح في بناء قوة مقاومة متكاملة لم يقتصر على التراكم العسكري، بل شمل تأسيس بيئة اجتماعية وثقافية تدعم العمل الميداني وتخلق قدرة على الصمود أمام الضغوط والحروب الطويلة الأمد. ويشير الكتاب إلى أن هذه التجربة تجسد روح الأمن المقاوم الذي يشدد عليه المرشد السيدالخامنئي، حيث يتكامل الوعي الشعبي مع الاستراتيجية العسكرية لتحقيق نتائج ملموسة في حماية المجتمع والحفاظ على هويته.

مقارنة مع النظريات الأمنية الغربية

يقدّم الكتاب مقارنة نقدية بين الأمن المقاوم والنماذج الغربية التقليدية. فالمدرسة الواقعية تركز على الدولة والسيادة في نظام دولي فوضوي، بينما يضع قبيسي المجتمع المستضعف محور الأمن، بما ينسجم مع فكر المرشد الخامنئي الذي يمنح الأولوية للشعوب في إدارة أمنها بدلاً من الاعتماد على مؤسسات دولية غالبًا ما تخدم مصالح القوى الكبرى. أما المدرسة الليبرالية، التي تربط الأمن بالمؤسسات الدولية، فهي جزء من منظومة الهيمنة التي يسعى الأمن المقاوم إلى تجاوزها من خلال بناء قوة محلية قادرة على الاعتماد على الذات.

الأمن كتحرر حضاري

يتجاوز الكتاب فكرة الأمن التقليدية، ليعرضه كأداة تحرر حضاري، حيث يصبح الأمن وسيلة لبناء مجتمع قادر على تقرير مصيره، والتحرر من التبعية الفكرية والسياسية والاقتصادية. ويشرح قبيسي أن الأمن المقاوم يربط بين النظرية والتطبيق، وبين العقيدة والقدرة، وبين المجتمع والدولة، لتشكيل منظومة متكاملة قادرة على مواجهة التحديات المعاصرة.

التحديات والفرص

رغم قوة الطرح، يشير الكتاب إلى تحديات تطبيق هذه النظرية في سياقات مختلفة عن بيئة محور المقاومة. فنجاحها في لبنان لا يضمن قابليتها للتعميم في دول ذات ثقافات سياسية واجتماعية مختلفة. كما أن الطابع الأيديولوجي للنظرية قد يحد من انتشارها في الأوساط الأكاديمية الغربية، لكنه يقدم نموذجًا فريدًا لفهم كيفية تحويل هشاشة المستضعفين إلى قوة فاعلة إذا توافرت الإرادة والرؤية الاستراتيجية.

خاتمة

يقدّم كتاب "أمن المستضعفين" رؤية متكاملة للأمن، تجمع بين النظرية والفكر التطبيقي، مستندة إلى التجربة الواقعية لمقاومة محور المقاومة، وإلى رؤية المرشد السيد الخامنئي للمستضعفين ودورهم في صناعة أمنهم. ويطرح الكتاب نموذجًا جديدًا يضع المجتمع في مركز صناعة القوة، ويعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين القوة والتحرر، ليكون المستضعفون فاعلين رئيسيين في صناعة أمنهم، لا مجرد متلقّين لمؤسسات أو سياسات خارجية. هذه النظرية، بهذا المعنى، ليست مجرد دراسة أمنية، بل مشروع حضاري متكامل يسعى إلى تحقيق استقلالية المجتمعات المستضعفة وتمكينها في مواجهة التحديات المعاصرة.

اخترنا لك