الصياد والبحر
كأن البطولة اختارت غزّة منبعاً لها، فما تكاد تمضي ساعة حتى تفاجئك بقصة بطولة جديدة. بعد أكثر من 470 يوماً تحت القصف والحصار، تمتشق غزّة بنادقها وتخرج إلى العالم في مشهدية إطلاق سراح الأسرى لتقول لقد انتصرنا.
-
الأسير الإسرائيلي ألكسندر تروفانوف أمام شاطئ غزة
كان شاباً وحيداً يخرج كل يوم لصيد السمك في بحر غزّة، وكان قد مضى أكثر من 70 عاماً من دون أن يصطاد هو أو أبوه ولو سمكة واحدة. يرجع في المساء خالي الوفاض إلا من أحلامه بأن يأتي يوم غد بصيد وفير يعوضه عما فات من عمره.
كانت الأضواء البعيدة تشده إليها، فيتذكر كلمات أبيه وهو يشير بيده إلى البحر البعيد: "هناك يا ولدي بحر فلسطين، كان الصيد وفيراً، وكان لنا بيتاً كبيراً نسكنه، وحديقة. كان والدي يرجع من البحر وقد امتلأت شباكه بالسمك. لم نعرف الخيام ولا الخوف ولا الجوع والعطش".
ذات صباح نادى المنادي بأنهم عائدون، حمل الشاب شباكه والتحق بالعابرين، كان الحلم قد أصبح وشيك التحقيق، رأى الأرض التي حدثه والده عنها، نزع حذاءه ليلمس بحر فلسطين، وعاد بصيد ثمين، صيد سيعيد له أحبة اختطفتهم اللّجة. أعمام وأخوال لا يعرفهم، شقيق غادر ذات صباح إلى العمل ولم يعد لأنه أصبح أسيراً يرزح تحت وطأة عشرات المؤبدات.
عندما شاهدت الأسير الإسرائيلي وقد أخذه المقاومون في غزّة لصيد السمك، تخيلت ارنست همنغواي يعيد كتابة رائعته "الشيخ والبحر" مستلهماً حكايا أبناء بحر غزة، الذين مات بعضهم جوعاً من دون أن يتمكنوا من الوصول إلى البحر. من بقي منهم على قيد الحياة، أراد كتابة قصة شعب لا يعرف من الدنيا غير الأمل، رغم معاناته لم يعرف الحقد، يكره العدو ويقاتله لكن هذا العدو لم يقتل الانسان داخله، فمنح الآخرين، حتى لو كانوا أعداء، جزءاً من حلمه.
لم يكن المشهد إنسانياً كما يحلو للبعض تصويره، حتى لو أرادت المقاومة تصديره على ذلك النحو. كان مشهداً بطولياً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. أن تخرج تحت القصف، والطائرات ترقب دبيب النمل على أرضك، وتخاطر بحياتك لترسل رسالة إلى العالم مهما كان محتواها، فأنت بطل. أن تظهر الحب في مساحة لا تتسع إلا للكراهية والحقد فأنت بطل. أن تترك خلفك جثث أحبائك تحت ردم منزلك المتواضع، وتبحث لنفسك عن مكان في عالم الأحياء الذين لم يتجردوا من إنسانيتهم فأنت بطل.
كأن البطولة اختارت غزّة منبعاً لها، فما تكاد تمضي ساعة حتى تفاجئك بقصة بطولة جديدة. بعد أكثر من 470 يوماً تحت القصف والحصار، تمتشق غزّة بنادقها وتخرج إلى العالم في مشهدية إطلاق سراح الأسرى لتقول لقد انتصرنا. في مواجهة أقوى دول العالم التي ترتعد فرائص الزعماء عند الجلوس إلى رئيسها، أعلنت غزّة رفضها وصمودها بكلمات بسيطة فرضت من خلالها أجندتها على كل العالم "لا للتهجير إلا إلى القدس وفلسطين المحتلة عام 1948"، فيرضخ العالم لشروطها، وتنطلق زغاريد الأمهات من كل زاوية في فلسطين في استقبال الأسرى المحررين.
تتواضع غزّة أمام كل من وقف إلى جانبها في حربها وصمودها، تشكر الجميع من طهران إلى عمّان، لا تحمل في نفسها غصّة حتى لو خذلها البعض. أيام الحرب صرخ جميع سكان غزّة: أين العرب، أين المسلمون؟ لكن ما أن وضعت الحرب أوزارها حتى فتحوا قلبهم للجميع وشكروهم.
غزّة كالأم قد تقسو على أبنائها يوماً، لكنها تحبهم دائماً. من أين جئتم بكل هذا العنفوان وهذا الصبر على الشدائد يا غزّة؟ ما قاله ذلك الصيّاد الغزّي "هذا البحر لي" لو خضته أيها القادم من بعيد 70 عاماً وأكثر، فسيبقى لي، ليس حلماً بالتحرير كما يسمي البعض نضالنا، بل إرادة عبّرت عنها المقاومة من بحر بيروت حتى بحر غزّة.
راهن الاحتلال وحلفاؤه على أن مشاهد الدمار ستثني المقاومين عن الاستمرار في خط المقاومة، لكن الحشود التي تدفقت على شمال غزّة وبلدات جنوب لبنان، قالت كلمتها؛ فقد انتهت جولة لكن الحرب مستمرة. تعلمنا منها ولقنّا أعداءنا درساً لن ينسوه. لن يمر وقت طويل حتى تستعيد المقاومة وقع خطواتها الثابت باتجاه التحرير. قد لا تكون حرباً مفتوحاً كتلك التي شهدناها على مدى عام وبضعة أشهر، فالأصل هو الفعل المقاوم ومهاجمة العدو في كل مكان. العدو الذي ينصب فخاً لنفسه بمحاولة البقاء في بعض النقاط في الجنوب اللبناني أو محيط غزّة، ستقابله المقاومة بعمليات نوعية تدفعه للهرب ذات ليل كما فعل عام 2000 في الجنوب، وعام 2005 في غزّة.
لقد صنعت المقاومة خلال الحرب الأخيرة جيلاً جديداً من المقاومين، أطفال رفعوا الأعلام في الساحات، وقاطعوا البضائع الأجنبية، وشاهدوا على الشاشات الفظائع التي ارتكبها العدو بحق أهلهم وأقرانهم. هذا الجيل هو زاد استمرار فكرة المقاومة وفعلها، وهو الجيل الذي تعلم الدرس جيداً، وعرف الطريق التي سيسير عليها ليستعيد الأرض والبحر.