"أصل الهوى نسمة": ذاكرة فلسطينية متوارثة

تكشف "البنا" الزمان والمكان تحت عنوان: "بيروت 1982 المتاهة"، وتتكلم على الحرب والشهداء والتصدي للعدوان الصهيوني على بيروت أيام الاجتياح، بلغة تبدو شعرية ورمزية وموحية.

  • "أصل الهوى نسمة" لسلوى البنّا: صراع الهوية من بيروت إلى نسائم يافا

بدأت قراءة الرواية بشكلٍ سريعٍ، لكن من الوهلة الأول ظننت أنها تحكي عن موضوع فنّي يتحدث عن الحياة الطبيعية  في الهواء الأصيل، لكن حين تعمّقت أكثر في الراوية وأدركت أصل " نسمة"، بنت الشاعر الفلسطيني سليم عوّاد، اليافاوي اللاجئ في لبنان، والمتزوج بسعاد بنت مدينة بعلبك، كما ذكرت الروائية، وتبدأ العائلة تعيش ألم اللجوء والاشتياق إلى المكان الأول في يافا، بينما تعيش نسمة شاعرية والدها المقاوم، وأصدقائهِ من أحزاب سياسية لبنانية متعددة، مثل صديقه درويش مثلاً من حزب الشعب، لكنها تعيش مفهوم المقاومة الثقافية من خلال قصائد والدها الشاعر الفلسطيني سليم عوّاد، والتمسك بالأرض، وحب فلسطين تعيشهُ نسمة بعمق الذاكرة، وذاكرة جدّتها التي عاشت هناك في يافا، يبدو من رمزية نسمة، التي تتكلم بلسانها الروائية سلوى البنّا، أنها تدلَّ على النسيم الأصيل القادم من يافا؛ هذا النسيم المبارك الذي يحنّ إليه اللاجئون في المخيمات، بين لبنان وفلسطين أصل الهوى نسمة، وعلى رغم الفوارق بين المكان التي لجأت إليه نسمة، التي وُلدت في بيروت، وبين يافا، المكان الذي لم تعش فيه، لكنها رأتهُ وسمعتهُ من شعر أبيها.

في الفصل الثاني من الرواية، تكشف الروائية الزمان والمكان تحت عنوان:" بيروت 1982 المتاهة"، وتتكلم على الحرب والشهداء والتصدي للعدوان الصهيوني على بيروت أيام الاجتياح، بلغة تبدو شعرية ورمزية وموحية، وتتباين عمّا سبقها من لغة سردية بسيطة، كما تمر فيها اللغة العامية للدلالة على الحياة الشعبية الفلسطينية. ومن ذاكرة نسمة وذاكرة بيروت ويافا رحلة البحث عن رائحة الأثر في المكان، وكما جاء في الفصل الثالث من الرواية، صفحة 118، تقول: 

" فالنطفة الفلسطينية وحدها تحمل هذه المعجزة. تنمو داخل الأرحام بذاكرة مكتملة لكل من سبقها من أجيال. ووحدها لها شفافيّة البياض". 

وبشأن النطفة الفلسطينية، التي أنجبت نسمة، ذاكرة تورّث من جيلٍ إلى جيل، ذاكرة تقاوم النسيان وتسكن في التفاصيل، حتى في لحظات الحب بين نسمة ودرويش السعد، "الرفيق" كما تسميه نسمة، لأنّهُ ينتمي إلى فصيل يساري مقاوم، وهي تعمل في مكتبه سكرتيرة، فيقع في حبّها، وهو صديق والدها الشاعر سليم عوّاد. وتبدع الروائية سلوى البنّا حين تضيء على حالة الحب بينهما، الممزوجة بالعاطفة الوطنية في زمن مقاومة الاحتلال، ويظهر الحب هنا كأنّه إحدى وسائل المقاومة بين نسمة يافا و"الرفيق" درويش السعد، ولو أردنا تفكيك الرمزية بين الاسم "نسمة يافا" وذوبان الرفيق، فسنجد قوّة الدلالة في حالة الحنين الثوري للرفيق وهو يذوب في حب "نسمة يافا"، يقبّلها ويشم رائحتها لأنّها نطفة فلسطينية من يافا، ولاسيما حين تقول في الفصل ذاته، صفحة رقم 119: "ينهض درويش من خلف مكتبه، يحتضن وجهها بين كفيه. قوليها مرّة ثانية، طالعة من تمّك زي العسل". تحمر وجنتاها خجلاً وهي تهمس بين كفّيه "يا رفيق".

هذا هو الحب الثوري، من بيروت 1982، شغف العشق في حضرة نسمة يافا، الرفيق درويش هو رئيس حزب الشعب، من بعلبك ومرشح للمجلس النيابي اللبناني، كما ذكرت الروائية انتماءه وموقعهُ في الرواية، ومدى حبّه للفلسطينية نسمة يافا، بينما تغار منها كثيراً الموظفة الثانية، وهي "نونا" التي تتهمها نسمة بأنّها القنبلة الموقوتة التي سوف تنسف أحلام درويش الساذج، كما تسمّيه من شدّة غيرتها، وتتساءل "نونا" في الرواية:

"من المجنون الذي سينتخب مرشّحاً قلبهُ نسمة.. وذراعهُ فلسطين؟؟ سؤالٌ مفتوحٌ على معانٍ متعددةٍ في الوعي الوطني، لأنّ القائد المقاوم والشجاع هو الذي يستطيع أن يعانق نسمة يافا وأن تكون ذراعه فلسطين، في زمن الحرب. ربّما هذه هي غاية الرواية وفكرتها الجوهرية الذاهبة في حالتيها العاطفية والوطنية، من شخصياتها البطولية، إلى البحث عن رمزيتها المفتوحة على التأويل البعيد: هل هو الاحتراق على يافا والبحث عن نسيمها الذي لم تلتقطهُ الأنفاس بعدُ؟ أم أن هذه النسمة الفلسطينية اليافاوية، التي تشكّل صلب الموضوع في الرواية، وهي الصراع الملحمي كالقضية الفلسطينية اليوم، هي قضية الحق، وكأنّ "نونا"، السيدة الغيورة، هي رمزية العدو هنا، وتظهر في هذا المقطع من صفحة 122: "قال وسط ابتسامة عريضة حيّوا معي أجمل نسمة، فارتفع الهتاف تحيّة إلى فلسطين. دمعت عينا نسمة، حضنها درويش، قبّل عينيها وشارك الحضور في الهتاف. صرخت نونّا بأعلى صوتها: لا للغرباء".

من الغريب هنا "نسمة يافا"، أم " نونا" في حضرة درويش السعد؟ يظلُّ السؤال قيد التفكير في هذه الرواية، "أصل الهوى نسمة"، وعلى القارئ البحث عما ورائيات الأحداث، لأنّ " نونا" تكرر: "لا لتوطين الغرباء". هنا يتضح حدث المكان، تظل نسمة يافا لاجئة في لبنان، وتحلم مع أبيها بالعودة إلى يافا أرض الأجداد الأولى. وهنا يكمن صراع الهوية، "نكون أو لا نكون"، فنسمة نطفة فلسطينية من أب فلسطيني وأم لبنانية، وتعمل في مكتب درويش السعد، رئيس حزب الشعب والمرشح للمجلس النيابي اللبناني، نائب رئيس بلدية بعلبك. ويظهر الزمن أنّهُ عام 1982 في بيروت، زمن الاجتياح الصهيوني للبنان. رواية "أصل الهوى نسمة" للروائية الفلسطينية سلوى البنّا هي رحلة التمسك بالجذور الأولى للفلسطيني اللاجئ في لبنان، والدفاع عن نسمة الهواء الآتية من يافا إلى جنوبي لبنان، والعابرة فوق الحدود والحواجز، هي رواية فلسطينية بكل ما تحملهُ الكلمة من معنى.

اخترنا لك