قراءة خاطفة لرواية "سردية الحرب الكبرى"

كتب أمين معلوف ويوسف زيدان في أدب الحرب، لكنهما لم يشتغلا بالسياسة والحرب، وعلى حدّ علمي لم يعيشا ظروفاً من الحرب والأمن قاسية كما عاشها الدكتور طراد. 

  • قراءة خاطفة لرواية سردية الحرب الكبرى
    قراءة خاطفة لرواية "سردية الحرب الكبرى"

تلك الرواية أو إن شئنا الدقة فهي مثّلت جانباً من السيرة أمام حياة كبيرة من الهمّ المعرفي ومعترك سياسي نهض به أستاذنا الدكتور طراد حمادة والذي انطوى على وظائف وسمات عديدة فهو الفلسفي والشاعر والروائي والصحافي والأستاذ المتمرّس في الجامعة. 

لقد سبك رواية الحرب في جملة شعرية، وقدّم بحسّه الصحافي يومياتها في دقة وصف، وإذا كان الدكتور العزيز يعتقد أنه قدّم نموذجاً من آداب الحرب فإني أستمحيه عذراً في أن أبدي شيئاً من الرأي في هذه القضية. 

فقد يكون محمد حسنين هيكل قدّم شيئاً من أدب الحرب أو السياسة، لأنّ إمكانياته في القصّ والرواية وإن برع فيها فهي محدودة. 

إلا أنّ طراد حمادة قدّم نصاً أدبياً معرفياً، يكتب مثله قليل من المشاهير في العالم العربي. لقد كتب أمين معلوف ويوسف زيدان في هذا الأدب، لكنهما لم يشتغلا بالسياسة والحرب، وعلى حدّ علمي لم يعيشا ظروفاً من الحرب والأمن قاسية كما عاشها الدكتور. 

لا شيء إلا الذاكرة 

قبل خمس عشرة سنة عرفته (معالي الوزير) طراد حمادة، وكان يناديه صديق عمره الأستاذ سامي عبود ذلك المناضل الشريف العربي الذي ينضح بماء الوفاء (الشيخ طراد)، وخلال خمسة عشر عاماً عرفته الإنسان طراد حمادة، الذي يمحض عن رقة وفسيفساء ساحرة عشائرية تزدان بمعاني النبل.

قرأته أديباً وأكاديمياً يعشق الشعر والفلسفة لكنه يؤدّب السياسة ويقلّم أظافر التوحّش.

تلك سمات مكّنته من اقتحام الرؤى على نحو لطيف، عبر أزيز من الألفة واقتناص ساعة الصفر في زمن الكتابة، وابتكار المدخل كما يبتكر شاعر كلاسيكي وقفة لوعة على طلل قديم، وبنفس فلسفي وصوفي يناور فكرة الولوج إلى عالم نصّه كرائحة الليمون على ساحل مدينة صور ليلاً. 

العتبة الأولى 

كانت إهداء إلى زوجته التي لازمته في الحل والترحال بين بيروت والهرمل وباريس وبين الحرب والسلم، وفي المنفى وبين حضور قاسٍ وسفر تغترب معه الأجساد وتبقى الأرواح محلّقة على ربوع الهرمل تقبع في مباغتة طيف العودة كما يحنّ إليها فلسطيني مرمرته محنة الشتات. 

العتبة الثانية 

والذي لا تكفّ عنه فيها مراودة المحاكاة فلسفياً، وكأنه يغترب هذه المرة إلى عالم من المثل لعله يقتبس منه (بداية) قد تعود إليها النهاية، فيقول: أحتاج أن أتذكّر. 

حتى أكتب رواية واقعية يلزمني ذاكرة متقدة، لكن لا أصدّق الخيال في خلق الصور، وكنت قادراً على محاكاة الأشياء أمكنني أن أبدأ ولا شيء يمنعني من أن أكتب روايتي سوى ذاكرتي والخيال، وهما ملكتان متوافرتان في وجودي المتحقّق وما زال يسري به الوجود، حتى يقول فاتحة الرواية صعبة مثل كلّ البدايات، لأنه إذا عرفنا من أين نبدأ عرفنا كيف نكمل. 

لكنّ سؤالي المتقد هل كلّ بداية تعود إليها نهايتها؟ وكلّ نقطة بدء تصل بنا إلى مبتغى الرحلة وقصد المنتهى، وإذا كان الفلاسفة الذين بدأ بأحد أعلامهم حياته الفلسفية الدكتور طراد في دراسة الماجستير وهو ابن رشد يقولون بالنهايات تعود إلى البدايات فإنّ اللغة تبدأ ولكنها لا تنتهي، وتبدأ ولكن نهايتها لا تعود إلى بدايتها حتى إنّ ابن رشد في فصل خطابه قيّد مآلاتها بالنص…

وفي نفس عرفاني أو صوفي وسمه بالطريقة يقول إنّ الطريقة محجة الوصول، الرواية تواصل متفق عليه من أول الطريق، ولا ينفكّ عنه الحدس فيقول: حدسي أنه يلزمني وقت حتى أبدأ، حتى إنه لم يقلع عن المصدر المضاف إلى قيمة الفعل، وكأنّ الحدس ثابتة لا يمكن تجاوز عنوانها أو الثابت ضدّ المتحوّل. 

ثم يردف الحدس بعالم الإمكان قائلاً: يبدع الخيال في عالم الإمكان، وكأنه أسبغ على الفلسفة من أدبه كما يقول طه حسين عن حكيم المعرة (أبي العلاء).  

لكنّ لغته التي عنفت أدباً تحيل مباحث الفلسفة ألقاً من التراكيب التي أتقن في مسار عدولها وارتحالها من بطش الفلسفة إلى رحيق المعنى وكأنه فتح حلاوة تتجاوز فتوحات ابن عربي وتتعتّق في قوارير سلافة فاتحة كتب التراث وروايات باريس وإشراق صدر المتألّهين. 

الاستعارات التي تفتح المعاني، وليست زخارف هي ذلك الفعل الذي ظلّ يراوده كما راودته الفلسفة، ولقد راقني نصّ وما أكثر النصوص التي راقتني في هذه الرواية، وآثرت هذا النص لأنه يختزل معاني كثيرة دبجت بها مقالتي. 

يقول الدكتور طراد في هذا النص في ص 94  

كلّ ما نريد كما نريد، عرفنا أصعب الأيام، ذهبنا من الحياة إلى أقصاها وعمّرنا منازلنا بحجارة من الحب والتقوى (الأس)، بعضها صار رماداً كوماً من الحطام، ينثّ من رئتيه الغبار، الوجود نفسه يتحوّل إلى مراتب من الوجود، تلامس رغبة الزوال، من كان موجوداً قبل الحريق أكلته النيران حتى صار مثلها ناراً تأكل ما سواها، يا له من زمن صعب، الزمن الذي عشناه، لحظات كانت أقرب إلى قمة المأساة. 

عبر مزيد من المسكوكات الفلسفية وغيرها من التراكيب يمارس الدكتور طراد فرض أقنعة من الكنايات يمارس فيها سلاسة العبور إلى مساحات من التغييب المثمر، ويجعل القارئ مشدوهاً إلى ما يقوله، ومتحمّساً إلى التأويل.   

اخترنا لك