"Mintpress": "إسرائيل" تغتال الذاكرة

إنّ تجريف غزّة ليس جريمة بحق الشعب الفلسطيني فحسب، بل هو جريمة بحق تراثنا الثقافي والتاريخي، واعتداء على ذاكرتنا الجماعية.

0:00
  • "إسرائيل" تدمّر المواقع التاريخية في غزة

موقع "Mintpress News" ينشر مقالاً يتناول مشروع التدمير الشامل لمدينة غزّة، وما يمثله من إبادة جماعية للشعب الفلسطيني واعتداء على التاريخ والذاكرة.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

في الوقت الذي تواصل فيه "إسرائيل" ارتكاب جرائمها الشبيهة بالفظائع النازية بحقّ الفلسطينيين، بما في ذلك سياسة التجويع الجماعي، ترتكب فظاعة أخرى تتمثّل في تدمير مدينة غزّة، إحدى أقدم مدن العالم. إذ تقوم معدّات هندسية ثقيلة وجرّافات مدرّعة ضخمة بهدم مئات المباني المتضرّرة بشدّة، فيما تعمل شاحنات الإسمنت على إنتاج الخرسانة لردم الأنفاق. وتواصل الدبابات والطائرات الإسرائيلية قصف الأحياء لدفع الفلسطينيين الذين ما زالوا يعيشون بين أنقاض المدينة نحو جنوب القطاع.

تحويل مدينة غزّة إلى أرض فارغة تصلح كموقف للسيارات سيستغرق أشهراً عدّة. وليس لدي أيّ شكّ في أنّ "إسرائيل" تُكرّر كفاءة الجنرال النازي إريك فون ديم باخ زيليوسكي، الذي أشرف على تدمير وارسو، قبل أن يقضي سنواته الأخيرة في زنزانة السجن. ولعلّ التاريخ يعيد نفسه مع نظيره اليوم على الأقلّ.

ومع تقدّم الدبابات الإسرائيلية يفرّ الفلسطينيون، وقد أخليت أحياء مثل الصبرة والتفاح من سكّانها. ويواجه المدنيون نقصاً شديداً في المياه النظيفة، في وقت تخطّط  "إسرائيل" لقطعها عن شمال غزّة. كما أنّ الإمدادات الغذائية نادرة أو باهظة الثمن بشكل هائل، إذ بلغ سعر الكيلوغرام الواحد من الدقيق 22 دولاراً أميركياً، أو أن يدفع الفلسطيني حياته ثمناً له.

وقد أكّد تقرير نشر في الأسبوع الماضي من قبل تصنيفات مراحل الأمن الغذائي المتكاملة، وهي السلطة العالمية الرائدة في مجال انعدام الأمن الغذائي، للمرّة الأولى وقوع مجاعة في مدينة غزّة. وذكر التقرير أنّ أكثر من 500,000 شخص في غزّة يواجهون "الجوع الشديد، والفقر المدقع، والموت"، مع توقعات بامتداد "الظروف الكارثية" إلى دير البلح وخان يونس الشهر المقبل. وقد توفّي ما يقرب من 300 شخص، بينهم 112 طفلاً بسبب الجوع.

يذكّرنا القادة الأوروبيون، إلى جانب جو بايدن ودونالد ترامب، بالدرس الحقيقي من الهولوكوست، ويكرّرون القول: "لن يحدث ذلك أبداً مرة أخرى". لكنّهم اليوم شركاء كاملون في الإبادة الجماعية التي تنفّذها "إسرائيل" في غزّة. بعضهم يكتفي بعصر الأيدي وإبداء أنهم "مصدومون" أو "حزينون"، وآخرون لا يتجاوز موقفهم حدود التنديد بالتجويع الإسرائيلي المنظّم. أما القلّة القليلة، فتعلن أنّها ستعترف بدولة فلسطينية.

هذه خشبة مسرح ملتبسة، ونهج للقادة الغربيين للتبرير أنّهم وقفوا على الجانب الصحيح من التاريخ، حتى عندما سلّحوا وموّلوا مجرمي الإبادة الجماعية، بينما يضايقون أو يجرمون أولئك الذين شجبوا المذبحة الإسرائيلية.

"إسرائيل" تتحدث عن احتلال مدينة غزّة، لكنّها في الحقيقة تريد تدميرها ومحوها عن وجه الأرض لا احتلالها، حيث لا يتبقّى شيء سوى أطنان من الحطام التي ستنقل بشقّ الأنفس، ما سيوفر قطاعاً خالياً من الفلسطينيين ما يتيح بناء مستعمرات يهودية جديدة.

اقرأ أيضاً: "نيويورك تايمز": حي الزيتون في غزّة أصبح أرضاً قاحلة

وكان الوزير الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قد قال في مؤتمر حول زيادة الاستيطان اليهودي في الضفّة الغربية المحتلّة إنّه، "سيتمّ تدمير غزّة بالكامل وسيرسل المدنيين من الجنوب إلى منطقة إنسانية من دون "حماس" أو إرهاب، ومن هناك سيبدؤون في المغادرة بأعداد كبيرة إلى دول ثالثة".

كلّ ما كان مألوفاً لي عندما كنت أعيش في غزّة لم يعد موجوداً. مكتبي في وسط المدينة، نُزُل "مرنا هاوس" في شارع أحمد عبد العزيز، حيث كنت بعد يوم عمل أحتسي الشاي مع السيدة المسنّة التي تملكه، وهي لاجئة من صفد في الجليل الشمالي. كذلك المقاهي الصغيرة على الشاطئ التي اعتدت ارتيادها، والأصدقاء والزملاء الذين لم يبقَ منهم سوى القليل، فبعضهم في المنفى، وآخرون توفّوا، وفي معظم الحالات اختفوا تحت أكوام الركام.

في زيارتي الأخيرة إلى "مرنا هاوس" نسيت أن أعيد مفتاح الغرفة رقم 12، وكان مثبتاً في قطعة بلاستيكية بيضاوية كبيرة مكتوب عليها. ما زلت أحتفظ به حتى الآن.

قلعة قصر الباشا الشامخة في البلدة القديمة بغزّة، التي شيّدها السلطان المملوكي بيبرس قبل ثمانية قرون، وكانت معروفة بالنقش البارز لأسدين متقابلين، لم تعد موجودة. وكذلك قلعة برقوق، المسجد المحصّن من العصر المملوكي الذي بُني عام 1387 وفقاً للنقش المؤرَّخ المثبّت فوق بوابة مدخله المكللة بالآيات القرآنية.

إنّ تجريف غزّة ليس جريمة بحق الشعب الفلسطيني فحسب، بل هو جريمة بحق تراثنا الثقافي والتاريخي، واعتداء على ذاكرتنا الجماعية. فلا يمكن فهم الحاضر، ولا سيما حين نكتب عن الفلسطينيين والإسرائيليين، من دون فهم الماضي.

فالتاريخ يمثّل تهديداً قاتلاً لـ"إسرائيل"، إذ يكشف حقيقة الفرض العنيف لمستعمرة أوروبية في قلب العالم العربي، والحملة القاسية لمحو العرب من وطن عربي، والعنصرية المتأصّلة تجاه العرب وثقافتهم وتقاليدهم. وهو يتحدّى السردية التي تصوّر الصهاينة على أنّهم أنشأوا "فيلا وسط الغابة"، ويسخر من كذبة أنّ فلسطين وُجدت لتكون وطناً لليهود حصراً. كما يذكّر بقرون من الوجود الفلسطيني، ويسلّط الضوء على الثقافة الدخيلة للصهيونية التي زُرعت في أرض مسروقة.

عندما غطّيت أحداث الإبادة الجماعية في البوسنة، فجّر الصرب المساجد، ونقلوا بقاياها ومنعوا أيّ شخص من الحديث عن المباني التي دمّروها. الهدف في غزّة هو نفسه بالنسبة إلى الإسرائيليين، وهو محو الماضي واستبداله بالأسطورة، وإخفاء الجرائم الإسرائيلية، بما في ذلك الإبادة الجماعية.

إنّ حملة المحو هذه تعيق البحث الفكري والدراسة الموضوعية للتاريخ، وتحتفي بالتفكير السحري، وتسمح للإسرائيليين بتجاهل العنف الكامن في جوهر المشروع الصهيوني. فهي تغيّب أحداثاً فظيعة، من الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في عشرينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الحملات الأوسع للتطهير العرقي للفلسطينيين في عامي 1948 و1967، وكأنها لم تحدث.

تحظر الحكومة الإسرائيلية الاحتفالات العلنية بالنكبة، أو الكارثة، وهي يوم حداد وطني للفلسطينيين يحيون فيه ذكرى المذابح وطرد 750 ألفاً منهم على يد الميليشيات الإرهابية اليهودية عام 1948. ولهذا السبب، يُمنع الفلسطينيون حتى من رفع علمهم الوطني.

إنّ هذا الإنكار للحقيقة التاريخية والهوية الوطنية للفلسطينيين يتيح للإسرائيليين الاستمرار في لعب دور الضحية، ويكرّس الحنين الأخلاقي الأعمى إلى ماضٍ مختلق. مواجهة هذه الأكاذيب تعني تهديداً وجودياً لهم، وتجبرهم على إعادة التفكير في هويتهم، وهو ما يتجنّبه معظمهم مفضّلين راحة الوهم، إذ إنّ الرغبة في التصديق أقوى من الرغبة في رؤية الحقيقة.

ويؤدي محو الحقائق إلى تصلّب المجتمع، إذ يُغلق باب البحث أمام الأكاديميين والصحافيين والمؤرخين والفنانين والمفكّرين الذين يسعون لاستكشاف الماضي والحاضر. والمجتمعات المتصلّبة تخوض حرباً مستمرة ضد الحقيقة، لأنّ الأكاذيب تحتاج دوماً إلى تجديد وصيانة، فيما الحقيقة، إذا ما ثبتت، تصبح عصيّة على الهدم.

ما دامت الحقيقة مخفيّة، وما دام الساعون إليها يُسكتون، يصبح من المستحيل على أيّ مجتمع أن يتجدّد أو يصلح نفسه. إنّ إدارة ترامب تسير جنباً إلى جنب مع "إسرائيل"، فهي بدورها تسعى إلى تغليب الأسطورة على الواقع، وتمنع من يتحدّى أكاذيب الماضي والحاضر.

المجتمعات المتصلّبة عاجزة عن التواصل خارج دوائرها الضيّقة، فهي تنكر الحقائق الجليّة التي تشكّل أساس أيّ حوار عقلاني. وقد كان هذا الفهم جوهرياً في تجربة لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، حيث اعترف مرتكبو جرائم نظام الفصل العنصري بجرائمهم مقابل منحهم الحصانة، الأمر الذي أتاح للضحايا والجناة لغة مشتركة متجذّرة في الحقيقة التاريخية، ومن ثمّ فقط أصبح الشفاء ممكناً.

"إسرائيل" لا تدمّر غزّة وحدها، بل تدمّر نفسها أيضاً.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.