"فورين أفيرز": الحرب التكنولوجية المُحتدمة عبر الأطلسي
يتعيّن على شركات التكنولوجيا، مثل "ألفابت" و"ميتا" و"أوبن إيه آي"، أن تستيقظ على واقعٍ مُقلق؛ فبتقاربها من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تُخاطر هذه الشركات بفقدان الوصول إلى أحد أكبر أسواقها: أوروبا.
-
شركة "ميتا"
مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تنشر تقريراً يناقش العلاقة المتوترة والمتصاعدة بين شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى (مثل "ألفابت" و"ميتا" و"أوبن إيه آي") والحكومات الأوروبية، ويشير إلى أن هذه الشركات، من خلال التقرب من الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، قد تعرض نفسها لمخاطر فقدان أسواق مهمة في أوروبا، ويُسلط الضوء على تصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا في مجال التكنولوجيا، وخصوصاً الخصوصية وتنظيم البيانات.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:
يتعيّن على شركات التكنولوجيا، مثل "ألفابت" و"ميتا" و"أوبن إيه آي"، أن تستيقظ على واقعٍ مُقلق؛ فبتقاربها من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تُخاطر هذه الشركات بفقدان الوصول إلى أحد أكبر أسواقها: أوروبا.
قبل عقدٍ من الزمن، اعتقدت هذه الشركات بأن تكنولوجيا المعلومات ستحدّ من سلطة الحكومات وتُحرّر العالم، ولكن، مع تراجع العولمة وترسّخ المواجهة الأميركية - الصينية، حاولت هذه الشركات استغلال الانقسامات الجيوسياسية المتنامية، وانضمت إلى واشنطن في الحرب التكنولوجية الباردة الجديدة.
واليوم، تبدو إدارة ترامب الجديدة أقل حماسةً لمحاربة الصين من حماستها لإخضاع حلفاء الولايات المتحدة في الاتحاد الأوروبي وخارجه. تجني شركات التكنولوجيا الأميركية أرباحاً بمليارات الدولارات من الأسواق الأوروبية. ورغم أن الكثير من هذه الشركات يرغب في تقليص صلاحيات الاتحاد الأوروبي التنظيمية، فإنه لا يرغب في الوقوع في مرمى نيران حرب تكنولوجية شاملة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ولسوء حظ شركات التكنولوجيا الكبرى، قد تندلع حربٌ كهذه قريباً، فازدراء إدارة ترامب الواضح لأوروبا قد لا يُعرّض المصالح التجارية للشركات الأوروبية للخطر فحسب، بل قد يُنذر أيضاً بنهاية الإنترنت المفتوح اليوم، إذ يتطلع الأوروبيون إلى بناء منصات بديلة لمنصات شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى.
وتُهدد جهود وادي السيليكون المبذولة لتلبية رغبات إدارة ترامب بتقويض نموذج أعمال شركات التكنولوجيا الكبرى في أنحاء كثيرة من العالم؛ فمن خلال دعم المسؤولين التنفيذيين لشركات التكنولوجيا للحكومة الأميركية الجديدة، ازداد تورطهم في الصراع المُحتدم بين الجهات التنظيمية الأوروبية في بروكسل ومدير تنفيذي في واشنطن يتصرف بانفرادية لافتة.
ونتيجةً لذلك، بدأ الأوروبيون بإعادة النظر في اعتمادهم على مُزوّدي الخدمات السحابية والمنصات والأقمار الصناعية الأميركية، فهم لا يرون في هذا الاعتماد المتزايد قضية تنافسية فحسب، بل نقطة ضعف استراتيجية حرجة يُمكن استغلالها ضدهم أيضاً. وأكثر ما يثير قلق شركات التكنولوجيا الأميركية هو تحرّك القضاة والهيئات التنظيمية والناشطين الأوروبيين نيابة عن الساسة الأوروبيين المترددين في اتخاذ موقف حازم والدفع باتجاه قطع تدفقات البيانات بين الولايات المتحدة وأوروبا.
وهذه ليست المرة الأولى التي ينشأ فيها خلاف بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن التكنولوجيا، فقبل عقد من الزمن، كشف إدوارد سنودن، المتعاقد مع وكالة الأمن القومي، أن الولايات المتحدة كانت تتجسس على قادة أوروبيين، الأمر الذي استفز الاتحاد الأوروبي إلى الحد الذي جعله يهدد بقطع تدفق البيانات الشخصية إلى الولايات المتحدة.
وعندما حكمت محكمة العدل الأوروبية عام 2015 ضد الاتفاق الذي سمح بإرسال البيانات الخاصة بمواطني الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة، أعرب إريك شميدت، الرئيس التنفيذي لشركة "ألفابت" آنذاك، عن أسفه لأن الاتحاد الأوروبي قد يكسر الإنترنت العالمي؛ "أحد أعظم إنجازات البشرية".
ومن المرجّح أن يستمر وجود الإنترنت العالمي كبنية تحتية تقنية مشتركة، ولكن إذا أصرت الشركات الأميركية على التماهي مع الإدارة الأميركية المعادية لأوروبا، فقد ترغب أوروبا في أن تبني شركاتها ومنصاتها تحصينات تكنولوجية ضد حليفها وحاميها السابق. كما ستحاول الشركات الصينية التوسّع في أوروبا وإن كانت ستواجه شكوكاً عامة متزايدة. وفي كلتا الحالتين، ستكون النتيجة النهائية انخفاض الأرباح، وضعف الابتكار الأميركي، وزيادة عزلة الولايات المتحدة وانعدام الأمن فيها.
مهمة مستحيلة
لم تكن الأمور معقدة إلى هذا الحد قبل فترة من الزمن، وبدا نموذج أعمال وادي السيليكون متوافقاً تماماً مع الإجماع الجيوسياسي في واشنطن، واتفقت الحكومة الأميركية وشركات التكنولوجيا الأميركية على أن المستقبل يكمن في بناء عالم آمن للسياسات والاقتصاد الليبراليين.
إن انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي يُقوّض حتماً سلطة الحكومات الاستبدادية. وعام 2000، قال الرئيس بيل كلينتون للصين إن محاولة السيطرة على الإنترنت أشبه بمحاولة تثبيت الجيلي على الحائط، وقام الرئيس جورج دبليو بوش بتمويل مشروع لإنشاء "تكنولوجيا التحرر" التي قد تقضم أسس الديكتاتورية ونشرها.
وعندما بدا أن وسائل التواصل الاجتماعي تُضخّم التظاهرات في إيران عام 2009، كان جاريد كوهين، المدير التنفيذي لشركة "غولدمان ساكس"، يعمل في وزارة الخارجية في عهد الرئيس باراك أوباما. وقد طالب "تويتر" بتأجيل عطل فني لتبقى المنصة متاحةً للمتظاهرين. من المؤكد أنّ الاحتجاجات لم تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي وحدها. ومع ذلك، شارك كوهين في تأليف كتاب مع شميدت، يحتفي بقدرة التكنولوجيا على نشر الحرية ودعم الرخاء المشترك.
إضافة إلى ذلك، دعمت شركات تقنية أخرى هذه الحماسة الشديد لإعادة تشكيل العالم. وخلال عرض تقديمي داخلي مشهور عام 2016، أخبر أندرو بوسورث، أحد أبرز مساعدي مؤسس "فيسبوك" مارك زوكربيرغ الموثوقين، موظفي الشركة بأن شخصاً ما قد يموت بسبب التنمر على خدمات "فيسبوك" أو في هجوم إرهابي تم تنسيقه باستخدام أدوات هذه المنصة. ومع ذلك، قال بوسورث عام 2018 إن "فيسبوك" سيستمر. وكانت مهمته المتمثلة في ربط العالم، بما في ذلك الصين، "جيدة بحكم الأمر الواقع"، حتى لو واجه بعض الناس معاناةً في هذا الطريق.
لا شك في أن الناس عانوا؛ ففي مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ومع بدء انفتاح النظام الاستبدادي في ميانمار، قال دعاة التكنولوجيا، أمثال شميدت، إن على البلاد أن تتبنى حرية الإنترنت انطلاقاً من مبدأ أن "الحل لمشكلة الخطاب السيئ هو مزيد من الخطاب"، فاكتشف المسؤولون الحكوميون والمتطرفون الدينيون في ميانمار إمكانيات أخرى، واستخدموا "فيسبوك" للتحريض على أقلية الروهينجا، ما ساهم في وقوع إبادة جماعية واسعة النطاق عام 2016. لقد افتقر "فيسبوك" إلى القدرات التقنية واللغوية المحلية اللازمة لمعرفة ما كان يحدث، ناهيك باتخاذ أي إجراء حياله.
في الحقيقة، لم يُحوّل ربط العالم المجتمعات غير الليبرالية إلى ليبرالية؛ فبعد تولي ترامب الرئاسة عام 2016، شعر الكثيرون بالقلق من أن الإنترنت قد يجعل المجتمعات الليبرالية سابقاً أكثر تطرفاً، ويغرق الجماهير بالمعلومات المضللة، واستخدم بعض منتقدي ترامب حججاً واهية وأدلة تجريبية ضعيفة لاتهام "فيسبوك" وخدمات وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى بالسماح للمحرّضين الروس بالتلاعب بالأميركيين لحملهم على التصويت لزعيم ذي ميول استبدادية.
وقد استجابت خدمات وسائل التواصل الاجتماعي من خلال تقديم أدوات جديدة لمكافحة المعلومات المضللة في الولايات المتحدة وغيرها من الأسواق الأساسية، في حين كانت في كثير من الأحيان تتجاهل مثل هذه الضمانات في البلدان الأكثر فقراً.
العراقيل
خلال إدارة ترامب الأولى، بات معظم الساسة الأميركيين مناهضين للصين، وبدأوا ينظرون إلى التكنولوجيا كوسيلة لتقييد طموحات بكين وليس كوسيلة لتحرير الصين من الاستبداد. وعام 2018، عندما تم تسريب مشروع "Dragonfly" الخاص بشركة "غوغل"، وهو محرك بحث مخطط للرقابة في السوق الصينية، دانه الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء، في حين اقترح رئيس هيئة الأركان المشتركة أنه "من غير المفهوم" أن تستمر "غوغل" في الاستثمار في دولة استبدادية تتعارض قيمها تماماً مع قيم الولايات المتحدة، فتخلّت الشركة عن طموحاتها بالعودة إلى الصين.
لقد واكبت شركات التكنولوجيا الكبرى التقلبات السياسية، ودعمت المواجهة التكنولوجية الجديدة. كما بدأ رجال الأعمال بإعادة النظر بجدية في دور التكنولوجيا في عالمٍ يشهد تنافساً جيوسياسياً. وأشار شميدت، الذي تنحى عن منصبه في قيادة الشركة الأم لـ"غوغل"، إلى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى التغلب على الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، وأنها تستطيع أن تفعل ذلك من خلال تعزيز نقاط قوتها التكنولوجية في الداخل وحرمان الصين من الوصول إلى أشباه الموصلات المخصصة الأكثر ملاءمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً.
في المقابل، دمج آخرون النظرية الجيوسياسية الكبرى مع مرافعة ضيقة الأفق مدفوعة بالمصلحة الشخصية، فقد صرّح زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة "ميتا"، للكونغرس عام 2020 بأنه في حال اتخذت السلطات الأميركية إجراءات صارمة لتنظيم "ميتا" أو تفكيكها، فإن الولايات المتحدة ستساعد شركات صينية منافسة مثل "تيك توك" على تقويض الهيمنة التكنولوجية الأميركية.
وبدأت مجموعة كبيرة من شركات وادي السيليكون التي كانت تحافظ في السابق على مسافة بعيدة من الأمن القومي الأميركي تدرك أنها تقدم سوقاً تجارياً جديداً هائلاً، وانضمت إلى شركات أمثال شركة تحليلات البيانات "بالانتير" (Palantir) في محاولة لبيع خدماتها ومنصاتها للحكومة.
ويبدو أنّ قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة مرتاح لعودة ترامب إلى السلطة هذا العام؛ فقبل انتخابات العام الماضي، بدأت شخصيات مؤثرة أمثال زوكربيرغ ومؤسس شركة "أمازون" جيف بيزوس بالتقرب من النظام الجديد؛ فكان زوكربيرغ يتودد إلى ترامب في مكالمات هاتفية خاصة.
وفي صيف عام 2024، أزال القيود التي فُرضت على حسابات ترامب على "فيسبوك" و"إنستغرام"، في حين ألغى بيزوس تأييداً مخططاً له لصحيفة "واشنطن بوست" التي يملكها لكامالا هاريس؛ منافِسة ترامب. وبعد فوز ترامب، قام كلٌّ من زوكربيرغ وبيزوس بزياراتٍ للرئيس المنتخب في مقرّ إقامته.
ويبدو أن ترامب استمتع بخضوعهم له، قائلاً: "الجميع أرادوا أن يكونوا أصدقائي". من جهتهم، كان الكثيرون من قادة التكنولوجيا يأملون أن يكون فوز ترامب نعمة بالنسبة إليهم؛ إذ بدا ترامب متشدداً تجاه الصين ومستعداً لتحرير التكنولوجيا. وكانت شركات مثل "فيسبوك" و"غوغل" قد تخلت عن فكرة التوسع في السوق الصينية على أي حال، وأملت بدلاً من ذلك أن تتمكن إدارة ترامب من الاستعداد لمواجهة منافسيها الصينيين والتصدي للقواعد التنظيمية الأوروبية التي وصفها زوكربيرغ بأنها تعادل نظام "الرقابة".
فك الارتباط عبر الأطلسي؟
من المؤكد أن قادة شركات التكنولوجيا الكبرى لم يرغبوا في جعل ترامب عدواً لهم، وكان لديهم ما يدعوهم للاعتقاد بأنه قد يساعدهم. وكان الرؤساء التنفيذيون ومالكو شركات التكنولوجيا، بمن فيهم بيزوس وخليفة شميدت ساندر بيتشاي وزوكربيرغ، على استعداد للظهور في حفل تنصيب ترامب الثاني كجوائز صيد مثبتة على الجدار.
ولكن للأسف، لم يحصل أيٌّ منهم على ما كان يأمله، فإدارة ترامب الثانية لا ترحب بالقوانين المحلية وقواعد الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، تواصل الحكومة، على الأقل في الوقت الحالي، قضية مكافحة الاحتكار ضد "غوغل"، والتي انبثقت من تحقيقات في ولاية ترامب الأولى، وتستعد لاتخاذ إجراءات ضد شركات "أمازون" و"آبل" و"ميتا".
ويبدو أن ترامب سعيد بالسماح لمنصة التواصل الاجتماعي الصينية "تيك توك" بالاستمرار في العمل في الولايات المتحدة، ما قد يُمهد الطريق لاتفاقية أوسع مع الصين. وقد أظهرت إدارة ترامب عداءً صريحاً للاتحاد الأوروبي، كما يتضح من الازدراء الخاص لأوروبا الذي عبّر عنه نائب الرئيس جيه دي فانس في رسائل "سيغنال" المسربة.
وبدلاً من التفاوض مجدداً على العلاقة التكنولوجية بين الولايات المتحدة وأوروبا على شروط أفضل، فإن مطالبة ترامب لأوروبا بالتراجع عن تنظيم شركات التكنولوجيا الأميركية (وأن تقوم الدنمارك بتسليم غرينلاند) قد تدفع الأوروبيين إلى طرح سؤال لا تريد شركات التكنولوجيا الأميركية طرحه: هل يُعد اعتماد أوروبا على التكنولوجيا الأميركية ثغرة أمنية وطنية حرجة، فضلاً عن كونه مشكلة تنافسية؟
خلال ولاية ترامب الأولى، لم يكترث الأوروبيون لمثل هذه الأسئلة، لأن الولايات المتحدة تدعم القارة العجوز منذ عقود. وعندما حذّر كاسبر بودن، وهو مدافع عن الخصوصية وموظف سابق في شركة "مايكروسوفت"، من مخاطر المراقبة التي تشكلها الحوسبة السحابية الأميركية في السنوات التي سبقت كشف سنودن عن أسرارها، سخر منه الأوروبيون.
أما اليوم، فيدرك الجميع في أوروبا مخاطر الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية، وأوضح مثال على ذلك هو شركة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية "ستارلينك" التي يملكها إيلون ماسك، فعندما عندما أرادت الولايات المتحدة الضغط على أوكرانيا بشأن المفاوضات المحتملة لإنهاء الحرب مع روسيا، اقترح البيت الأبيض منع الوصول إلى شبكة "ستارلينك" التي زودت الجيش الأوكراني بموارد ساحة المعركة الحيوية.
وقد انتبهت دول أوروبية أخرى، تخشى اليوم أن تبيعها الولايات المتحدة لمنفعة مؤقتة، إلى هذا الأمر، فهي أيضاً تعتمد على "ستارلينك" وغيرها من البرامج والأجهزة والتقنيات في عملياتها اليومية. وفي الوقت الراهن، يبتعد الأوروبيون عن "ستارلينك" بأسرع ما يمكن، في حين تبحث المفوضية الأوروبية في كيفية دعمها للبدائل المحلية. كما يبتعد مشترو السيارات الأوروبيون عن سيارة "تسلا" التي يملكها ماسك. ولسوء حظ وادي السيليكون، يرى الكثير من الأوروبيين أن خدمات "أمازون ويب"، وخدمات "مايكروسوفت أزور" السحابية للأعمال، و"فيسبوك"، معرضة لخطر الانهيار.
لا يتعلق الأمر بإمكانية إيقاف التكنولوجيا فحسب، بل قد يتم استخدامها ضد المصالح الأوروبية أيضاً؛ فقد أثار وقوف ماسك إلى جانب الأحزاب اليمينية المتطرفة في ألمانيا والمملكة المتحدة وهجومه على الأحزاب السائدة قلقاً بالغاً في عدد من العواصم الأوروبية، بل ذهب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى أبعد من ذلك، محذراً من أن "مليارديرات التكنولوجيا يسعون إلى إطاحة الديمقراطية".
كسر الإنترنت
يتربّص بشركات التكنولوجيا الأميركية خطر داهم، لكنه لم يحظَ بالاهتمام اللازم. على عكس الولايات المتحدة، يُبدي الاتحاد الأوروبي اليوم التزاماً راسخاً بسيادة القانون، ويُلزم الساسة بالامتثال لأحكام القضاء، فاستهزاء إدارة ترامب بالقيم الأوروبية وعداء شركات التكنولوجيا المتنامي لها قد يؤديان إلى انهيار الاتفاقيات الموقعة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تعتمد عليها شركات التكنولوجيا أمثال "ألفابت" و"ميتا" و"مايكروسوفت".
وقبل عقد من الزمن، كان شميدت قلقاً من أن نزاعاً على البيانات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قد يُؤدي إلى انهيار الإنترنت. وقد أظهر سنودن كيف تمكنت وكالات الاستخبارات الأميركية من الوصول بشكل غير قانوني إلى بيانات وسائل التواصل الاجتماعي الأوروبية وبيانات البحث على الإنترنت، منتهكةً بذلك قواعد الخصوصية الأوروبية.
تم حل هذا النزاع بتوقيع اتفاقية غير موفقة بين المفوضية الأوروبية والحكومة الأميركية وافق من خلالها الاتحاد الأوروبي على السماح بتدفق البيانات، شرط أن تلتزم الولايات المتحدة بحماية حقوق خصوصية مواطني الاتحاد الأوروبي، وتوفر بعض وسائل الطعن في حال انتهكتها وكالات المراقبة الأميركية. وقد نصّ أهم بند في هذه الاتفاقية على التزام الولايات المتحدة عام 2016 بحقوق الخصوصية الأوروبية من خلال عملية تشرف عليها هيئة أميركية مجهولة، وهي مجلس مراقبة الخصوصية والحريات المدنية (PCLOB).
لم تُرضِ هذه الاتفاقية أحداً، ولكنها وفّرت غطاءً قانونياً وسياسياً لتدفق البيانات عبر المحيط الأطلسي، وواصلت شركة "ميتا" تشغيل منصة "فيسبوك" في أوروبا، وتمكنت شركات مثل "أمازون" و"غوغل" و"مايكروسوفت" من استقبال البيانات الشخصية للأوروبيين على منصات الحوسبة السحابية الخاصة بها. وبالنسبة إلى هذه الشركات، فإن المخاطرة كبيرة للغاية، فشركة "غوغل" وحدها تحقق مبيعات تتجاوز 100 مليار دولار أميركي في أوروبا.
واليوم، توشك هذه الاتفاقية أن تنهار مع تعرض عمليات شركات التكنولوجيا الأميركية في أوروبا لخطر جسيم. إذ لم تكتفِ إدارة ترامب بطرد معظم أعضاء مجلس مراقبة الخصوصية والحريات المدنية (PCLOB)، بل أوضحت بطرق متعددة أنها لن تمتثل للقواعد القانونية التي تراها غير ملائمة. وفي الوقت الراهن، يخضع الأمر التنفيذي الذي شكل مجلس مراقبة الخصوصية والحريات المدنية للمراجعة، ولكن حتى لو بقيت الاتفاقية رسمياً على الورق، فلا يثق أحد بقدرة إدارة ترامب على الالتزام بها.
ويُرجح أن تفتح هذه الاتفاقية باب الطعن أمام الناشطين المدافعين عن الخصوصية. وقد يصبح من غير القانوني قريباً لأي كيان أوروبي استخدام خدمات الحوسبة السحابية الأميركية لتخزين البيانات الشخصية أو بالنسبة إلى شركات مثل "ميتا" نقل البيانات الخاصة بالمواطنين الأوروبيين بين أوروبا والولايات المتحدة.
هذا الأمر يمكن أن يُدمر نموذج أعمال "ميتا" ويُصعّب على شركات مثل "غوغل" تقديم خدمات سحابية آمنة في أوروبا. وحتى لو فصلت هذه الشركات البيانات الأوروبية عن البيانات الأميركية، فستكون عُرضةً لمطالب الولايات المتحدة بمشاركة المعلومات المُخزّنة على خوادمها الأوروبية أو التوقف عن توفير تشفير قوي للعملاء الأوروبيين.
هذه المرة، لن يكون هناك اتفاقية مقنعة بين النظامين، وسيُشكك القضاة الأوروبيون والجهات التنظيمية الوطنية المعنية بالخصوصية بوعود إدارة ترامب، فالقضاة الأوروبيون لا يخضعون للضغوط السياسية نفسها التي يتعرض لها الساسة الأوروبيون أو مسؤولو المفوضية الأوروبية، فهم يعتبرون أنفسهم حُماة القوانين الوطنية والنظام الدستوري الأوروبي الذي يسعى ترامب إلى تقويضه. وبالتالي، لن يتعاطفوا مع شركات التكنولوجيا الأميركية.
تسيطر "غوغل" و"مايكروسوفت" حالياً على ثلثي السوق الأوروبية للحوسبة السحابية. ومع ذلك، يتفق السياسيون والأكاديميون ومراكز الأبحاث ورواد الأعمال الأوروبيون على فكرة أن أوروبا بحاجة إلى بناء مواردها السحابية الخاصة لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية اللازمة للانفصال عن التكنولوجيا الأميركية. كما أنّ صدور حكم من محكمة أوروبية ضد تدفق البيانات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من شأنه أن يُعجّل هذه الخطط بشكل كبير. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرسوم الجمركية الأميركية الشاملة التي قد ترد عليها أوروبا بتقييد خدمات التكنولوجيا الأميركية.
وفي حال حدوث ذلك، لن تلوم شركات التكنولوجيا الكبرى إلا نفسها، فقد تمثل رد فعلها على التغيرات الجيوسياسية ببناء علاقة أوثق مع الحكومة الأميركية، متوقعةً استمرار ازدهارها في عالمٍ يشهد تنافساً أميركياً صينياً. لقد احتضن قادة التكنولوجيا ترامب طواعيةً بعد إعادة انتخابه، في حين كان بإمكانهم الحفاظ على مسافة معه. وعليه، قد تكون شركات التكنولوجيا الكبرى على وشك أن تكتشف أنه بات غير مرحب بها في الأسواق الأوروبية أكثر فأكثر، فضلاً عن عدم تمكنها من الوصول إلى السوق الصينية.
قد تُشير هذه العلاقات المتوترة إلى نهاية حلم الإنترنت العالمي، إذ يتشارك الجميع الخدمات نفسها. وكما هو الحال في الصين، قد تستمر المنصات الأوروبية في استخدام الإنترنت كأساس تكنولوجي لخدماتها، لكنها ستبدأ ببناء منصات بديلة خاصة بها، بعيداً من أي تدخل أميركي من خلال نماذج أعمال مخصصة لأوروبا وتشفير قوي. وبالتالي، لن تؤدي هذه الخطوة إلى انخفاض أرباح الولايات المتحدة فحسب، بل ستُلحق المزيد من الضرر بالعلاقة الأمنية عبر الأطلسي.
نقلته إلى العربية: زينب منعم.