"الفرصة الأخيرة".. معضلة عودة مستوطني الشمال بين الإغراءات الماليّة والواقع المقلق

في خضمّ النقاشات المحتدمة والإغراءات المالية التي يٌروج إليها لعودة المستوطنين المهجرين من مستوطنات الشمال، يكمن واقع أكثر تعقيداً، حيث لا تزال أعداد كبيرة منهم مترددة أو غير قادرة على الرجوع، ما يعكس أزمة أعمق تتجاوز حدود الحوافز المالية.

  • "آثار الدمار في المطلة شمالي فلسطين المحتلة بسبب صواريخ حزب الله - 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 (رويترز)
    بعض من آثار الدمار في "المطلة" شمالي فلسطين المحتلة بسبب صواريخ حزب الله - 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 (رويترز)

في خضمّ النقاشات المحتدمة بشأن عودة المستوطنين المهجرين من مستوطنات الشمال، لجأت الحكومة الإسرائيلية إلى استراتيجية دعائية مكثفة، مستخدمةً أسلوب "الفرصة الأخيرة" أو "تمديد المهلة لمرة واحدة" من خلال عناوين لافتة وصور للأموال، بهدف تحفيز النازحين على العودة إلى منازلهم قبل انتهاء المهلة النهائية المحددة في 20 آذار/مارس الجاري.

لكن خلف هذا الأسلوب التسويقي، يكمن واقع أكثر تعقيداً، حيث لا تزال أعداد كبيرة من المستوطنين مترددة أو غير قادرة على الرجوع، ما يعكس أزمة أعمق تتجاوز حدود الحوافز المالية.

تمديد المهلة: محاولة لتحفيز العودة أم اعتراف بالمأزق؟

أعلنت لجنة العمل والرفاه في "الكنيست" تمديد فترة الأهلية للحصول على منحة العودة الكاملة حتى  20 آذار/ مارس، مانحةً مبلغ 15,360 شيكل (ما يعادل 4250 دولاراً أميركياً تقريباً)  للبالغين، و7,680 شيكل ( ما يعادل 2200 تقريباً)  لكل طفل، في خطوة بدت وكأنها محاولة أخيرة لدفع النازحين إلى مغادرة الفنادق والعودة إلى مستوطناتهم.

هذا القرار جاء نتيجة الضغوط التي مارسها النازحون الذين لم يتمكنوا من تنظيم أمورهم في الوقت المحدد، أو فضّلوا تأجيل العودة لما بعد عيد المساخر (بوريم).

لكن المفارقة تكمن في أنّ تمديد المهلة ترافق مع الإعلان عن تقليص تدريجي للمنحة بعد 20 آذار/مارس، ممّا يعني أنّ أولئك الذين لا يعودون في الوقت المحدد، سيتعرضون لخسارة مالية كبيرة.

هذه الآلية، وعلى الرغم من أنّها تحاول رسم صورة تشجيعية للعودة، فإنّها تضع المهجرين أمام ضغوط إضافية تزيد من قلقهم بدلاً من تهدئتهم.

الإغراء المالي مقابل المخاوف الأمنية والنفسية

الأسلوب الذي تم اعتماده في الترويج للعودة اعتمد بشكل أساسي على إبراز المكافآت المالية، مع نشر صور للأموال في المواقع الرسمية لإغراء النازحين، وكأن العودة إلى المنازل مسألة تجارية بحتة.

ولكن على أرض الواقع، هناك أسباب عميقة تدفع المستوطنين إلى التردد، من بينها المخاوف الأمنية المستمرة، والأضرار التي لحقت بممتلكاتهم، والشعور بعدم الاستقرار الذي لا تعالجه الأموال وحدها.

وفي بعض المستوطنات مثل "المطلة"، عاد فقط 100 مستوطن حتى الآن، في حين أنّ مستوطنات أخرى سجلت نسب عودة متدنية للغاية، ما يعكس حجم التردد. فرغم الحوافز المالية، لا تزال العوامل النفسية واللوجستية تلعب دوراً محورياً في قرار العودة، وهو ما يجعل هذه الحوافز غير كافية لإقناع الجميع.

التمديد وتأثيره العكسي على النازحين

لم يأتِ التمديد بردود فعل إيجابية فقط، بل تسبب في موجة من الاستياء بين من اضطروا إلى مغادرة الفنادق في الموعد الأصلي خوفاً من فقدان نصف قيمة المنحة. هؤلاء شعروا بأنّ القرار جاء متأخراً، ووضعهم أمام خيار صعب بين البقاء، وتحمل أعباء مالية إضافية، أو المغادرة قبل أن يكونوا مستعدين بشكل كامل.

إضافةً إلى ذلك، أدّى القرار إلى خلق شعور بالتفرقة بين من بقي في الفنادق ومن اضطر إلى تدبر أموره ذاتياً دون تمويل حكومي إضافي، ما عزز الشعور بعدم العدالة بين الفئتين. وبحسب ردود الفعل، فقد عاش العديد من النازحين تحت ضغط نفسي كبير خلال الفترة الماضية، حيث أجبروا على اتخاذ قرارات مصيرية دون تحضير كافٍ، خوفاً من خسارة المساعدات المالية التي أصبحت تشكل عامل ضغط أكثر من كونها حافزاً للعودة.

مبادرات حكومية لتسهيل العودة ولكن..

في محاولة لتخفيف وطأة الانتقال، أطلقت إدارة "تنوفا للصمود" مبادرة "مكاتب الحكومة تأتي إليكم"، حيث تم إرسال ممثلي الوزارات إلى المناطق المتضررة لمساعدة المستوطنين في إنهاء إجراءاتهم.

ولكن حتى مع هذه الخطوة، يبقى التساؤل قائماً: هل المشكلة في الإجراءات البيروقراطية أم في جوهر القضية نفسها؟ فالمخاوف الأمنية، وحالة عدم الاستقرار، وصعوبة إعادة بناء الحياة في بيئة لا يشعر سكانها بالأمان، تبقى العوامل الأبرز في قرار العديد من المهجرين بعدم العودة، مهما كانت المغريات المالية.

المال ليس الحل الوحيد

تكشف هذه الأزمة أنّ استخدام الأساليب الدعائية والتركيز على الجانب المالي ليس كافياً لإقناع المستوطنين بالعودة إلى منازلهم.

فالمعضلة الحقيقية ليست فقط في تلقي الأموال، بل في إيجاد حلول حقيقية تعالج المخاوف الأمنية، معالجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وضمان استقرار مستدام يجعل من العودة خياراً منطقياً وليس مجرد استجابة لضغوط مالية.

ولكن إذا استمرت هذه الفجوة بين الوعود الرسمية والواقع الفعلي، فقد يجد العديد من المستوطنين أنفسهم في حالة دائمة من التردد، بغض النظر عن عدد التمديدات أو قيمة الحوافز المقدمة.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك