أوروبا بين القدرة والواقع على لعب دور استراتيجي يحميها
باتت أوروبا تنظر بكثير من الريبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. هي ترى أنه اختار الانحياز إلى خصمهم الروسي على حساب أمنهم. من هنا، ترغب أوروبا في أن تكون لاعباً رئيسياً واستراتيجياً في ما يُرسم للقارة العجوز، لكن السؤال: هل هي قادرة على ذلك؟
-
علم الاتحاد الأوروبي
عسكرة وسباق تسلّح.. هذا هو حال أوروبا هذه الأيام. ما هو الشكل الذي سيأخذه الأمر؟ لا أحد يعرف بالضبط بفعل ضبابية الموقف وتخبط القادة، لكن المؤكد أن الأمر سيرهق القارة العجوز وسيصعب الأمور على مواطنيها الذين قد يتوجب عليهم شد الأحزمة أكثر.
منذ انهيار الاتحاد السوفياتي ومن خلفه حلف وارسو، تراجع سباق التسلح وعاشت أوروبا هدوءاً لم تعكره سوى أحداث البلقان. تقلصت النفقات ونمت أجيال لم تعرف الحروب ولا تريد أن تعرفها.
عندما اندلعت حرب أوكرانيا أواخر شباط/فبراير 2022، اهتز الأمن في أوروبا التي انساقت إلى إدارة جو بايدن وغرقت في تلك الحرب، وإذا بها تُصطدم مؤخراً بنفض الإدارة الأميركية الجديدة يديها من هذه الحرب، والدفع بالترهيب والتهديد نحو وقفها، مما لا يراعي من وجهة نظر الأوروبيين مطالب أوكرانيا وأمن قارتهم.
يعتبر هؤلاء أن دونالد ترامب اختار الانحياز لصالح نظيره الروسي. انتفضوا وتحركوا وتوافقوا على أن الوقت حان للفطام مع الولايات المتحدة وتشكيل قوة أوروبية منفصلة، وبدأوا الخطوة الأولى على هذا الطريق من خلال قمة بروكسل.
150 مليار من أصل 800 مليار يورو جرى رصدها كمبالغ أولية سيتم تأمينها للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لشراء أسلحة وتحديث قطاعاتها الدفاعية ولكن على شكل قروض. والقروض تعني إضافة أعباء جديدة على عدد من الدول الأوروبية التي تعاني أصلاً من مديونية عالية، وتتقدمهم اليونان بحوالى 164%، تليها إيطاليا بـ 137%، ثم فرنسا 113.7% عند نهاية العام الماضي، فبلجيكا وإسبانيا والبرتغال.
ألمانيا واحدة من الدول الأوروبية الأقل مديونية، وبالتالي قد لا تتأثر بهذه الأعباء كما حال الدول السالفة الذكر، وبالتالي ستكون أقل تأثّراً بتأمين الموارد المالية المطلوبة.
والعسكرة المشتركة لا تحتاج فقط إلى أموال، وإنما أيضاً إلى توحيد أنواع الأسلحة. تشتمل ترسانات الجيوش في دول الاتحاد الأوروبي على 17 نوعاً من الدبابات وعلى 20 طرازاً من المقاتلات الحربية المتنوعة، وهذا يستدعي تقليص هذا التنوع لتخفيف النفقات أيضاً.
والعسكرة كذلك تحتاج إلى جيوش قوية قادرة على الردع. صحيح أن التكنولوجيا تقدمت كثيراً وباتت لاعباً رئيسياً في الحروب، لكن لا غنى عن العنصر البشري.
في أوروبا اليوم أقل من مليوني جندي. حملات التجييش والتعبئة الجارية ضد روسيا في أوروبا أثارت قلق المواطنين، لكن ليس هلعهم. الحاجة ضرورية لاستقطاب المتطوعين، غير أن الحماسة في أدنى مستوياتها، وبخاصة لدى الشباب الذين يعزفون عن التطوع في الكثير من الجيوش الأوروبية. من هنا يتم التفكير في إعادة العمل بالخدمة العسكرية.
بولندا سلكت الدرب سريعاً وأقرت الخطوة. تريد وارسو تأمين نصف مليون جندي وتدريب كل رجل في بولندا على السلاح ليكون قادراً على المشاركة في الحرب عند الضرورة. ألمانيا وبريطانيا وبلجيكا تفكر بدورها في اعتماد هذا النهج. فرنسا أيضاً تراودها الفكرة بقوة، لكن الأمر لن يصل إلى مرحلة التجنيد الإجباري.
عامل غياب الحماسة لدى الشباب الأوروبيين يُضاف إليه تراجع أعدادهم بشكلٍ مستمر. بعد خمس سنوات من الآن، قد تنقص هذه الأعداد 20 مليوناً بحسب الدراسات.
المجتمعات تشيخ أكثر فأكثر، والإنجاب يخفت. اليد العاملة تتناقص بنسبة 21 مليوناً، ومعه ستتراجع مداخيل الضرائب والاقتطاعات، وترتفع الإعانات والتقديمات الاجتماعية والصحية، ما سينهك اقتصادات معظم دول أوروبا. فكيف سيكون عليه وضع الدول الساعية اليوم إلى العسكرة في أوروبا؟ هي دورة حياة متكاملة ومترابطة، فإلى أين يمكن أن يؤدي الإسراف المتهور في الإنفاق العسكري إذا لم تتماشى مع متطلبات الزمن وتحولاته؟
في الماضي البغيض، كانت بعض الدول تلجأ إلى الفتوحات والغزو واستعمار دول وشعوب لتأمين موارد مالية لها. هذا الزمن تغيَّر، فماذا هي فاعلة؟ هل ستحاكي خطوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن معادن أوكرانيا؟