أوروبا ورحلة البحث عن الذات من بوابة أوكرانيا
الدول الأوروبية تواجه تحديات كبيرة في التعامل مع سياسة إدارة ترامب وتسعى إلى التوحّد لمواجهة التحولات العالمية والتداعيات الاقتصادية والسياسية التي تفرضها الإدارة الأميركية.
-
علم الاتحاد الأوروبي والعلم الأوكراني
سيحتاج الأوروبيون إلى مزيد من الوقت ليستفيقوا من الصدمة التي أحدثها لقاء الرئيس الأوكراني العاصف بالرئيس الأميركي. هو أحدث بلبلة في صفوف القادة الأوروبيين. الإدارة الأميركية الحالية تثير لديهم القلق بنهجها الصدامي مع الجميع وبخاصة مع الحلفاء. ينظر الأوروبيون بحنق ودهشة إلى الحليف الأميركي.
ماذا يريد دونالد ترامب؟ تثيرهم تصرفاته، هم ما عادوا يرون فيه القدرة على قيادة ما يسمونه العالم الحر. كلام صريح أطلقته كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، التي قالت بوضوح إن الوضع الراهن يستدعي قائداً جديداً لهذا العالم ويعود الأمر للأوروبيين لقبول هذا التحدي، مضيفةً أن أوكرانيا هي أوروبا ونحن نقف إلى جانب أوكرانيا.
بهذا الكلام ينزع الأوروبيون عن الأميركيين صفة الريادة والزعامة وهم الذين قبلوا أن ينضووا تحتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مع استثناء فرنسي أيام الجنرال ديغول. هم حائرون، يتساءلون عن المسار الذي عليهم اتباعه في حمأة التحولات الكبيرة التي يحدثها تعامل الولايات المتحدة مع حرب أوكرانيا معطوفة على مطامع تتكشف في مطالب سيد البيت الأبيض مع الجار الكندي القريب أو الحليف الدانماركي البعيد وغيرهم، دون إغفال الحرب الاقتصادية التي يشنها ترامب على الحلفاء قبل الخصوم عبر فرض رسوم جمركية عالية على منتجاتهم ومحاولة اجتذاب قطاعات إنتاجية إلى أميركا عبر حوافز ضريبية.
العلاقة بين ضفتي الأطلسي.. منعطف كبير وآفاق غامضة
كيف السبيل إلى التعامل مع تداعيات هذا الافتراق مع واشنطن؟ وكيف يمكن لأوروبا أن تهب لمساعدة أوكرانيا مع تبدي المؤشرات واضحة على نفض إدارة ترامب يديها من هذه الحرب؟ هل ستكون قادرة على ملء الفراغ الناجم عن وقف الدعم الأميركي؟ الأسئلة تتزاحم لكن ما هو واضح أن أوروبا المرتبكة ذهبت للبحث عن موقف موحد في قمة لندن لمواجهة الرياح المعاكسة الآتية من الولايات المتحدة.
نزوع الأوروبيين لاحتلال الصفوف الأمامية في حرب أوكرانيا مع روسيا يضعهم في قلب عاصفة قد تكون مكلفة ومقلقة وربما يصبحون في حرب مفتوحة وعلنية مع موسكو، والتبعات المالية لتعويض الدعم الأميركي قد تكون باهظة عليهم. سيكون عليهم ضخ مئات المليارات دعماً لأوكرانيا.
يأتي ذلك فيما اقتصادات كثيرة في أوروبا تعاني من تراجع النمو والتضخم، إنغماسها المباشر في الحرب سيرهقه، واليورو يتأرجح في مواجهة الدولار منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وستضعفه أكثر الرسوم الجمركية الأميركية، فهل سيذهبون إلى مصادرة الأصول الروسية المجمدة بالكامل بعدما وضعوا أيديهم على عوائدها وفي هذا مخالفة كبرى للقانون الدولي.
أوروبا اليوم في تجاذبها مع الولايات المتحدة تدرك أنها قد تفقد مظلة الحماية النووية الأميركية. وروسيا كررت مراراً أنها قد تلجأ للسلاح النووي عند الضرورة. فرنسا ودول أخرى تتوق منذ زمن لكي تصبح أوروبا قوة عظمى بعيداً عن التبعية لأميركا لكن الأخيرة كانت تفرمل هذا الاندفاع عبر حلفاء لها.
اليوم ترى فرنسا الفرصة مناسبة لتحفيز الشركاء الأوروبيين على ترجمة هذا الحلم إذا ما أرادت القارة العجوز أن تبقى صانعة للتاريخ لا خارجه. ولإقناع المترددين من الحلفاء الأوروبيين تبدي باريس انفتاحاً لمناقشة توسيع مظلتها النووية لتشمل الدول الصديقة. لديها 290 رأساً نووياً أي أكثر من بريطانيا التي تملك 225 وتحتاج إلى موافقة أميركية لاستخدام صواريخها عند الضرورة لكونها مشتراة من أميركا.
هذا الوضع يمنح باريس أفضلية لكن البعض في أوروبا يتحسس من النفوذ الفرنسي وتأثيراته داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي ما قد يحد من الاندفاعة الفرنسية. يضاف إليها أن الأميركيين الذين نجحوا في بناء نظام دولي يستند إلى قوة وعظمة الولايات المتحدة على مدى عقود قد يحاولون منع ذلك وإعاقته، خصوصاً مع وجود رئيس مثل ترامب ساخط على الجميع ويريد إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية على العالم هو الذي قال إن ولادة الاتحاد الأوروبي كانت لإلحاق الضرر ببلاده فكيف سيكون عليه الأمر مع استقلالية القرار الأوروبي؟
اليوم تقول أوروبا بضرورة التوحد في مواجهة إدارة ترامب والولايات المتحدة. يعتبر المسؤولون الأوروبيون أن هزيمة أوكرانيا ستكون هزيمة لأوروبا وستدفع القارة العجوز ثمن هذه الهزيمة لعقود.
منذ أكثر من 70 عاماً وقضية الدفاع الأوروبي مطروحة دون أن يتحقق الحلم. يدرك المسؤولون الأوروبيون أن عليهم أن يتحركوا، فواشنطن ما عادت تنظر إلى إليهم كشركاء، فيما استراتيجيتهم الدفاعية والعسكرية هشة بعيداً عن الولايات المتحدة وتحتاج لفترة من الزمن لإعادة هيكلتها وتحقيق الاستقلالية.
4 سنوات صعبة سيتعين على الأوروبيين والعالم أيضاً أن يتكيفوا وأن يتقبلوا وجود رئيس أميركي لا يعير اهتماماً للحلفاء ويذهب في الدفاع عن رؤيته ومواقفه إلى أقصى حد ولو كان على حساب العلاقة مع الحلفاء والأصدقاء.