مجازر الساحل السوري وتداعياتها: المشروع التركي يتعثر في سوريا
لا تمثل المذابح التي جرت بحق الطائفة العلوية نصراً للحكم الجديد في دمشق، بقدر ما هي كارثة ناتجة عن الفخ الذي سقطت فيه تلك القوى اليمينية بسذاجتها السياسية المعهودة.
-
يعتبر الأتراك حالياً أكبر الخاسرين في سوريا.
في نهج البلاغة ترد كلمة مهمة للغاية للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): " بقية السيف أبقى عدداً وأكثر ولداً ". وتتمثل أهمية الكلمة في أن المذابح مهما كانت بشاعتها، فإن البقية الباقية من الضحايا سوف يتمكنون من إعادة إنتاج أنفسهم مرة أخرى، وسوف تتجدد المواجهات الثأرية بين الطرفين بكل تأكيد، بغض النظر عن شكل المواجهات الجديدة أو عن كونها ذات طابع تحرري أو تصب في صالح مشروع استعماري.
من الناحية التاريخية أثبتت هذه الكلمة مصداقيتها في الكثير من الأحداث، فبالرغم من المذابح والاضطهادات التي ارتكبت بحق العديد من الطوائف والقوميات إلا أنها كانت دائماً قادرة على البقاء والعودة للمشهد مرة أخرى، ومن بين هذه الطوائف كان للعلويين في الشام نصيب الأسد، سواء في العهدين المملوكي والعثماني، تلك المذابح التي أفقدتهم معقلهم في حلب عاصمة الدولة الحمدانية التي أسسوها سابقاً، أو حتى في فترة ما بعد الاستقلال، حتى تمكنت النخب العلوية أثناء حكم البعث من تصدر المشهد.
إذن، لا تمثل المذابح التي جرت بحق الطائفة العلوية في الساحل نصراً للحكم الجديد في دمشق، بقدر ما هي كارثة ناتجة عن الفخ الذي سقطت فيه تلك القوى اليمينية بسذاجتها السياسية المعهودة، وأسقطت معها المشروع التركي في سوريا في مستنقع غير محسوب العواقب، الأمر الذي فرض عليه ضرورة القبول بعقد تسويات كان يرفضها سابقاً، مثل التسوية مع الأكراد والدروز، تجنباً لانفلات الحالة السورية وتسربها من بين يديه، والحيلولة من أن تؤدي ارتداداتها لمشاكل وأزمات تمتد حتى إلى العمق التركي ذاته.
لم يتعلم الأتراك الدرس من تجربة حكم الإخوان المسلمين في مصر، وأصروا على مواصلة الاعتماد على المجموعات السلفية القادرة فقط على التدمير، لكنها لا تملك أي ثقافة بشأن فلسفة الحكم، وبالتالي فقد سقطت في فخ ارتكاب المجازر الطائفية، وهو نفس ما سقط فيه الإخوان في مصر عندما تورطوا في مواجهات مع المسيحيين والشيعة، الأمر الذي سرع إسقاطهم عن الحكم بعد سنة واحدة فقط لم يحققوا فيها أي نجاحات سوى في نشر الاحتقان والاستقطابات الطائفية والاجتماعية والسياسية بين المصريين، وهو نفس ما تقوم به المجموعات السلفية المسيطرة على سوريا حالياً.
والواقع أن الموقف التركي الداخلي مع اندفاعه تجاه هذا المشروع القومي/الطائفي أصبح هش للغاية ومعرض للكثير من المشكلات الداخلية في الفترة القادمة، أما الطائفة العلوية، فمن المحتمل جداً أن الترتيبات داخلها، وكنوع من رد الفعل والانتقام لهذه الأحداث وحالة التواطؤ العربي سواء من الناحية الإعلامية أو من قطاعات الجماهير التي تأثرت بالدعايات السلفية والإخوانية المعادية لهذه الطائفة، لن تكون في مصلحة العرب كأمة في حال تم طرح فكرة الانفصال أو الفدرلة وهو مشروع سيتمكن من استخدام هذه المجازر جيداً ليقوم بتفتيت سوريا وربما لبنان لاحقاً لكانتونات طائفية متعادية.
إن مشكلة الوضع السوري في الفترة الحالية تتمثل في الصراع بين المشروعين: التركي والصهيوني. وبالرغم من أن كلاهما يصب في النهاية بخدمة المصالح الأميركية، ولا يمانعان في التعاون أحياناً، إلا أن كل منهما يرغب في أن يتم التعاون بناء على قيادته ومصالحه كأولوية، وعلى سبيل المثال بينما يؤكد الكيان الصهيوني على ضرورة منح القوى الكردية جانب من الكعكة السورية، كان الأتراك يرفضون تماماً هذا الخيار كونه يهدد مصالحهم ويمنح المعارضة الكردية في تركيا مجالاً للدعم والتهديد يرفضه الأتراك بكل تأكيد. ومن هنا فقد أدت مجازر الساحل السوري إلى أن يجبر الأتراك على تقديم تنازلات للمشروع المنافس، وهي تنازلات ستؤدي بالمشروع الصهيوني لتحقيق أهدافه عبر خطوتين: الأولى تتمثل في ترسيخ مشروع فدرلة سوريا عبر إنشاء كيانات طائفية وعرقية شبه مستقلة.
والخطوة الثانية هي تحقيق فكرة ممر داوود الممتد من الجنوب السوري عبر الكيان الفيدرالي الدرزي المتوقع إلى الكيان الفيدرالي الكردي المتوقع وجوده على جانب كبير من المنطقة التي كان يطمع فيها الأتراك بالأساس.
من المؤكد أن فكرة فدرلة سوريا لن تكون في مصلحة الأتراك الذين ارتفع سقف طموحاتهم وبعد أن كانوا يطمعون في الحصول على المنطقة من حلب للموصل، أدركوا مؤخراً ضرورة الحصول على الساحل طمعاً في النصيب السوري من غاز شرق المتوسط، لكن الأحداث الآن تعود لنقطة الصفر مرة أخرى، إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى التي شهدت زوال السيطرة العثمانية على الشام ككل، بهدف إعادة المشروع الفرنسي القديم بتقسيم سوريا أو فدرلتها بحسب العرقيات والطوائف، وإذا كانت هذه المكونات المختلفة للشعب السوري قد اختارت الوحدة سابقاً تحت تأثير صعود المد القومي العربي، فإن مثل هذا الاختيار الآن لم يعد مضموناً على الإطلاق، بالرغم من أنه مازال الحل الأكثر جاذبية بالنسبة للأوساط الشعبية، أما النخب فقد اختارت الحلول الأجنبية بالفعل وصارت تسعى للتقوقع في أطرها الضيقة سواء كانت طائفية أو عرقية، وأدت مجازر الساحل السوري إلى منحها الشرعية الكافية لتحقيق مثل هذا الحل الغربي.
على أن مشكلة الأتراك مع الساحل السوري لا تتوقف عند المنافع الاقتصادية، فثمة إشكال طائفي كذلك، حيث يمثل العلويون النسبة الأكبر من السكان في هذه المنطقة، وهذا الانتشار العلوي يمتد إلى تركيا، أو بمعنى أوضح إلى المناطق السورية التي استولت عليها تركيا عقب الحرب العالمية الأولى، كما يتصل التواجد العلوي (النصيري) بمجموعات علوية أخرى في تركيا ينتمي إليها كل من الأكراد والأتراك معاً، مثل العلوية البكتاشية على وجه الخصوص، والتي لا يتوقف انتشارها على الأتراك والأكراد فقط وإنما تمتد للمسلمين الألبان والبوسنويين في البلقان، ومنها إلى بعض الدول الأوروبية التي تتواجد بها جاليات ألبانية وبوسنية كبيرة كسويسرا، ويخطئ البعض عندما يظن أن هذه المجموعات لا اتصال بينها، فمعظم القواعد الدينية لهذه المجموعات سواء في سوريا، العراق، إيران، أذربيجان وتركيا متشابهة ومتفق عليها، بل ظهرت منذ سنوات محاولة جادة للجمع بينها في الاتحاد العالمي للمسلمين العلويين الذي يضم الغالبية العظمى من هذه المجموعات المتنوعة، بما يعني أن التعاطف والتواصل بينها متواجد، وفي حال تم التأسيس لكيان علوي فيدرالي فإن المشاكل التركية سوف تتضاعف، خاصة أنها تضم بين أراضيها ملايين من العلويين الأكراد والأتراك (من أصول أذرية)، ولهم تراث قديم في الثورة على الدولة التركية منذ ثورة شاه قولي (الأذرية) أثناء حكم سليم الأول العثماني، وحتى ثورة ديرسيم (الكردية) أثناء حكم مصطفى كمال أتاتورك، وفي كل الأحوال تم قمع هذه الثورات بأقسى قدر من الوحشية التي لم يتم نسيانها حتى الآن .
ما هو موقف إدارة ترامب الأميركية؟
إن موقف الإدارة الأميركية حالياً يميل للمشروع الصهيوني المدعوم أوروبياً، وهو فدرلة سوريا، وتحقيق فكرة ممر داوود، وترى الإدارة الأمريكية أن محاولة تقاربها مع روسيا عبر الإبقاء على قواعدها في الساحل السوري، وربما منحها حق حماية الكيان العلوي الفيدرالي المرتقب، إضافة لإيقاف الحرب مع أوكرانيا، سوف يمثل بطاقات للتفاوض مع الروس ومحاولة إبعادهم عن التقارب الواضح منذ فترة مع الصين وإيران، أو على الأقل التقليل من اندفاعهم تجاه هذا التحالف، وذلك في إطار محاولتهم محاصرة النفوذين الصيني والإيراني وتطويقه، ومن المؤكد أن تحجيم المشروع التركي يعد من أهم المطالب الروسية التي تشعر بمدى خطورة هذا المشروع سواء على أمنها الداخلي، حيث تضم بين مواطنيها أكثر من 13 مليون متحدث بالتركية، كما أنه يمثل خطورة على نفوذها في آسيا الوسطى .
تأتي هذه المتغيرات في ضوء الرغبة الأمريكية المعلنة بالخروج من سوريا، والتركيز على صراعها مع الصين في منطقتي القطب الشمالي، والإندو-باسيفيك عبر التحالف الرباعي بينها وبين الهند واستراليا واليابان، وبالتالي من الضروري أن تقوم بعدد من الترتيبات في المنطقة مع كل من روسيا وإيران سواء عبر المفاوضات أو المساومات أو الضغوط، لضمان النصيب الأوروبي والأميركي في غاز شرق المتوسط، بالإضافة لأمن الكيان الصهيوني وتأمين توسعه في سوريا وربما أماكن أخرى، الأمر الذي سيؤدي لمنح الهند دوراً أكبر في الشرق العربي لدعم الكيان الصهيوني عن طريق الممر المقترح الي يبدأ من موانئها في المحيط الهندي مروراً بالسعودية ثم الأردن وينتهي في الكيان الصهيوني إلى البحر المتوسط .
موقف الدول الرافضة للهيمنة الأميركية (روسيا، الصين وإيران)
بالنسبة للروس، من المؤكد أن إيقاف المد التركي يخدم أهدافهم، كما أن الإبقاء على قواعدهم في سوريا وحتى منحهم حق رعاية كيان علوي فيدرالي يرضيهم كذلك، لكن المشكلة الأساسية تتمثل في المقابل الذي يطالب به الأميركيون، وهو التخفيف من تحالفهم المتطور مع الصين، والذي يزعج الأمريكيون، وكبح جماح الدعم الإيراني للمقاومة في اليمن ولبنان وفلسطين والعراق، ليس سهلاً تحقيقه خاصة أن كلا الدولتين وقفتا بجانب الروس في حربهم ضد أوكرانيا، ورغم أن روسيا ليست ملتزمة بالمبادئ الإيرانية والعربية في مواجهة الكيان الصهيوني والمطالبة بفلسطين من البحر إلى النهر بمعنى إزالة الكيان تماماً، إلا أنها ملتزمة – لحد ما - بتحالفها مع إيران والصين في مواجهة المواقف الأمريكية المتقلبة في الفترة الأخيرة، وهو ما مثلته المشاركة الروسية في المناورات الثلاثية بين إيران والصين وروسيا التي تمت مؤخراً. ومن الممكن أن تسعى روسيا بالفعل لمحاولة كبح جماح إيران في دعمها للمقاومة لكنها لن تبالغ كثيراً في هذا الشأن .
أما بالنسبة للصين التي لا تخدم كل هذه المخططات أهدافها، فهي تسعى منذ فترة لإيقافها قبل بدايتها، سواء عبر مشروعات السكك الحديدية في جنوب شرق أفريقيا، حيث المنافسة المتصاعدة بينها وبين الهند، أو عبر الدعم العسكري الذي تقدمه للمقاومة في اليمن والي كشفت عنه مؤخراً القناة 12 العبرية نقلاً عن تقارير أمريكية. كما برزت في الفترة الأخيرة منافسة أخرى بين الدولتين في القوقاز، فبينما أزداد حجم التبادل العسكري بين أذربيجان وكل من الصين والباكستان، قامت الهند بتقديم المساعدات العسكرية لأرمينيا، مما يشير إلى أن الصين لن تقف متفرجة أمام هذه المشروعات .
من ناحية أخرى يبدي الإيرانيون كالعادة هدوءاً معتاد بالنسبة للعقلية الإيرانية، التي تراهن دائماً على الانتظار الإيجابي لأخطاء وسقطات المشروعات المعادية، ومن المتوقع أنهم يدركون حجم الحماقة السياسية التي يتمتع بها قادة المجموعات المتطرفة والتي تشبه لحد كبيرة حماقة القادة الخوارج سابقاً، ومع المذابح الجماعية للمدنيين في الساحل السوري، فإن هناك عدد من الاتجاهات التي برزت في الوسط العلوي، من بينها الاتجاه المتعاطف مع غيره من الطوائف الشيعية عموماً، حيث يجتمع كل من الشيعة والعلويون في التشيع للأئمة الإثني عشر، كما يجتمعون في عدد كبير من المسائل العقائدية والفقهية، وهذا الاتجاه بدأ في الانتشار بين العلويين خلال فترة التسعينات والألفية الجديدة.
وحتى بالنسبة لأهل السنة فإن أعداد كبيرة من متبعين للطرق الصوفية يعتبرون إيران أقرب لتصوراتهم العقائدية من السلفيين، وبالتالي فإنه مهما تعددت السيناريوهات المرسومة لهذا البلد العربي، فإن الإيرانيين يعرفون جيداً طريق العودة إليه مرة أخرى، ورعاية مقاومة سورية موجهة للكيان الصهيوني.
موقف الأتراك
يعتبر الأتراك حالياً أكبر الخاسرين في هذه التغيرات الأخيرة، فوجود كيانين معادين لهم: كردي وعلوي على حدودهم، أحدهما مدعوم من الغرب والكيان الصهيوني والأمريكيين، والآخر مدعوم من الروس يهدد أمنهم واستقرارهم الداخلي، كما أن إيقاف مشروعهم التوسعي في هذا التوقيت يهددهم اقتصادياً بدرجة أكبر، ولا يوجد ما يمكنهم فعله حالياً سوى السعي للاحتفاظ بما تحقق عبر تقديم تنازلات في الشرق العربي والقوقاز، أو توسيع دائرة المواجهة لتشمل كل من لبنان والأردن عبر استخدام نفس الأدوات (المجموعات السلفية والإخوان) في محاولة لفرض متغيرات على الأرض تمنحهم بعض القدرة على مساومة الأميركيين والصهاينة للحصول على مكاسب أكبر، وفي هذه الحالة فإنهم يلعبون بورقتهم الأخيرة التي قد تؤدي إلى التعجيل بارتداد كل هذه المشاكل في سوريا إلى الداخل التركي ذاته.