خلفيّات وأهداف التوجّهات المغربية نحو آليات "الحرب الإلكترونية"

تداولت صحف إسبانية وغربية خلال الأيام الأخيرة، أنباء عن اعتزام الجيش المغربي، نشر كتائب "متخصصة في الحرب الإلكترونية"، في مناطق تقع بأقصى النطاق الشمالي للبلاد، ماذا يعني هذا التطور الهام؟

  • الجيش المغربي وقدرات الحرب الإلكترونية.
    الجيش المغربي وقدرات الحرب الإلكترونية.

دخلت المؤسسة العسكرية المغربية خلال الأشهر الأخيرة، في حالة من "التكثيف" المتصاعد لعمليات التسلّح وافتتاح القواعد العسكرية الجديدة، وهي حالة ــــــ في جوهرها ومضمونها ـــــ لا تعتبر جديدة، بالنظر إلى العلاقات المتوترة منذ عقود بين الرباط والجزائر، على خلفيّة عدة ملفات أبرزها ملف "الصحراء الغربية"، إلا أنه بات ملحوظاً تصاعد هذه الحالة بشكل أكبر، ودخولها عملياً في خانات عسكرية نوعية، ما بين وسائط الحرب الإلكترونية، وبين احتمالات عبور سلاح الجو المغربي عتبة مقاتلات الجيل الخامس.

فيما يتعلّق بتطبيقات الحرب الإلكترونية، تداولت صحف إسبانية وغربية خلال الأيام الأخيرة، أنباء عن اعتزام الجيش المغربي، نشر كتائب "متخصصة في الحرب الإلكترونية"، في مناطق تقع بأقصى النطاق الشمالي للبلاد، خاصة منطقة "الحسيمة" الساحلية، والتي تقع في منتصف المسافة بين مدينتي سبتة ومليلية. هذا التطوّر الهامّ، لا يرتبط فقط بالدروس التي تمّ استخلاصها من المعارك في أوكرانيا، والتي أظهرت أهمية الوحدات المتخصصة في الحرب الإلكترونية، والتي تستطيع إحباط الهجمات الإلكترونية المعادية، وشنّ هجمات مماثلة على أنظمته ومرافقه، بل يرتبط أيضاً برفع لحالة الردع. 

الجيش المغربي وقدرات الحرب الإلكترونية

بدأ التمهيد لهذه التوجّهات الجديدة للجيش المغربي حيال تطبيقات الحرب الإلكترونية، حين وقّعت الرباط أولى الاتفاقيات العسكرية بينها وبين "تل أبيب" في تموز/يوليو 2021، وكانت هذه الاتفاقية ترتبط بشكل أساسي بالتعاون في مجالات البحث والتطوير الخاصة بمنظومات الحرب الإلكترونية، وهو ما مثّل أوّل إشارة واضحة على هذا التوجّه الجديد من جانب الجيش المغربي، الذي منذ ذلك التوقيت، تعاقد على سلسلة من منظومات الحرب الإلكترونية، منها منظومتا "Bukovel" الأوكرانية و"AARTOS" الألمانية، المتخصصتان في مكافحة الطائرات المسيّرة والتشويش عليها، ومنظومة الحرب الإلكترونية التركية "KORAL-EW"، التي تعتبر متخصصة في جمع إشارات الرادار وتحديد التردّدات الصادرة عن أنظمة الدفاع الجوي ومراكز القيادة المعادية، لكن كان جوهر هذا التوجّه منصبّاً في اتجاه المنظومات إسرائيلية الصنع.

فقد وقّعت الرباط أواخر عامي 2021 و2022، عقدين أساسيين يتعلّقان بأنظمة الحرب الإلكترونية الإسرائيلية، الأول استحوذت بموجبه منظومة مكافحة الطائرات المسيّرة "SkyLock" والتي تعمل على التشويش على أنظمة الطائرات المسيّرة، بحيث تنحرف عن مسارها. العقد الثاني والأهم ـــــ يرتبط بمنظومة "Alinet" المتطورة، وهي منظومة شاملة تعمل على اكتشاف مواقع القوات المعادية عن طريق رصد واعتراض الإشارات الرادارية والكهرومغناطيسية، بحيث تتولّد صورة جوية وبرية شاملة لمسرح العمليات، يمكن من خلالها توفير معلومات دقيقة حول الأهداف المعادية وموقفها الميداني الآني، وبالتالي استهدافها بشكل مباشر عن طريق الطائرات المسيّرة.

امتلاك هذه القدرات المرتبطة بالحرب الإلكترونية، لا يعتبر وحده مؤشّراً على التوجّهات المغربية حيال هذه التقنية ومزجها مع استخدام الطائرات المسيّرة القتالية فحسب، بل تظهر في هذا الإطار مؤشرات أخرى، أهمها ما تضمّنته المناورات العسكرية المشتركة بين الجيشين المغربي والأميركي خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها نسخة العام الماضي من المناورات السنوية "الأسد الأفريقي"، التي أقيمت في أيار/مايو الماضي، حيث تضمّنت هذه المناورات في جانب منها، تدريبات على استخدام الطاقة الكهرومغناطيسية للتحكّم في الطيف الكهرومغناطيسي، مما يسمح للقوات الصديقة بمهاجمة أنظمة معلومات العدو، مع حماية الأنظمة الدفاعية الصديقة، كما تضمّنت هذه التدريبات تطبيقات عملية على استخدام التردّدات الراديوية، وتقنيات تحديد الاتجاه وكشف الإشارات اللاسلكية المعادية.

من الأمثلة الإضافية على المناورات والتدريبات المرتبطة بالحرب الإلكترونية، ما تضمّنته مناورات "Arcane Thunder" التي يجريها الجانبان أيضاً بشكل سنوي. ففي عام 2023، تضمّنت هذه المناورات في جانب منها، استخدام نسخ حديثة من مناطيد المراقبة والاستطلاع، مزوّدة بمستشعرات لالتقاط الإشارات الكهرومغناطيسية المعادية، قامت من خلالها برصد مواقع الأهداف المعادية المفترضة، وتوفير إحداثياتها الدقيقة. أما في نسخة العام الماضي من هذه المناورات، فقد تمّ تطوير هذا الجانب من التدريبات، باستخدام مزيج من المناطيد عالية التقنية والارتفاع، وثلاثة أنواع مختلفة من الطائرات المسيّرة، بحيث تعمل هذه الوسائط بشكل متزامن ومتكامل، لتعقّب بثّ الرادارات وأجهزة الإرسال اللاسلكية المعادية، وتحديد مواقعها بدقة.

النقطة الأهمّ في مناورات العام الماضي، أنها تضمّنت استخدام وسائط جوية وبحرية مسيّرة، حيث شاركت خلالها الطائرات المسيّرة من نوعي "K-1000" و"Shield AI V-BAT"، والزوارق المسيّرة "TRITON"، وعملت هذه الوسائط على تعطيل المواقع المعادية التي تمّ رصدها، سواء تعطيلها بشكل مؤقت باستخدام أجهزة التشويش المحمولة على الطائرات المسيّرة، أو بشكل دائم عبر استهدافها بالطائرات المسيّرة الهجومية والانتحارية أو ضربات المدفعية والمدفعية الصاروخية، وهو تكتيك يطرح استخداماً مزدوجاً للطائرات المسيّرة، التي لا يقتصر دورها على استهداف المواقع المعادية نارياً، بل والتشويش عليها باستخدام أنظمة أميركية تمّت تجربتها خلال هذه المناورات، مثل نظامي "Spirit" و"Disruptor"، بالتكامل مع استخدام وسائط الرصد والاعتراض الأرضية والمحمولة جواً.

الرباط وتوجّه أكبر نحو تحديث الدفاعات الجوية والطائرات المسيّرة

بربط ما سبق بالمساعي المغربية الحالية لنشر كتائب متخصصة في الحرب الإلكترونية في عدة مواقع من بينها الساحل الشمالي، يمكن فهم الاستراتيجية المغربية في هذا الصدد، والتي ترتكز بشكل أساسي على تشكيل نظام متكامل لمراقبة الحدود المغربية البرية والساحلية، مع تركيز واضح على مكافحة الأنشطة المسيّرة المعادية، وهو تركيز له وجاهته بالنظر إلى رصد محاولات من جانب جبهة البوليساريو ـــــ التي تنخرط في مواجهة مسلحة ضد الجيش المغربي منذ عقود ـــــ لاستخدام الطائرات المسيّرة في استطلاع مواقع الجيش المغربي في نطاق الحزام الأمني بالصحراء الغربية، وتكرّرت عدة مرات عمليات إسقاط هذه المسيّرات أو تعطيلها عبر أنظمة الحرب الإلكترونية المغربية، وهو ما جاء في المجمل، ضمن تصاعد بطيء ومحدود في آن بعمليات جبهة البوليساريو ضدّ الجيش المغربي منذ عام 2020.

ترتبط الاستراتيجية السالف ذكرها بشكل كبير ـــــ كما يتضح من العرض السابق ـــــ بالطائرات المسيّرة والدفاعات الجوية، واللافت هنا أنّ عملية نشر الكتائب المغربية المتخصصة في الحرب الإلكترونية، تزامنت مع تداول أنباء حول حصول سلاح الجو المغربي على الطائرة الصينية المسيّرة الهجومية "TB-001"، وهي تنتمي لفئة الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، حيث يصل مداها الأقصى إلى ستة آلاف كيلو متر، وتستطيع حمل ما يصل إلى 1200 كيلوغرام من الذخائر، مما يجعلها منصة فعّالة للاستطلاع والهجوم على ارتفاعات تصل إلى 8000 متر.

هذا النوع من الطائرات المسيّرة، ينضمّ إلى أنواع أخرى استحوذت عليها الرباط خلال السنوات الأخيرة، على رأسها طائرات "وينغ لونغ-2" الصينية الهجومية، وطائرات "بيرقدار" الهجومية التركية، وهو ما يمثّل في حدّ ذاته، تصعيداً متسارعاً في القدرات المسيّرة التي يمتلكها الجيش المغربي، بموازاة القدرات المماثلة التي يمتلكها الجيش الجزائري، خاصة ما يتعلّق بالطائرات المسيّرة صينية الصنع.

من النقاط الواجب ذكرها في هذا الصدد، أنّ شركة "بايكار" المتخصصة في الصناعات الجوية، قد قامت مؤخّراً بتأسيس شركة في المغرب تحت اسم "أطلس ديفنس"، متخصصة في تصميم وتصنيع وتطوير وصيانة الطائرات المسيّرة، وهو ما يفتح باباً واسعاً من التعاون بين المغرب وتركيا في مجال تطوير وتصنيع الطائرات المسيّرة.

يضاف إلى ذلك حقيقة أنّ المغرب كانت قد طلبت خلال الولاية السابقة للرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، شراء أربع طائرات مسيّرة من نوع "MQ-9B SEAGURADIAN"، لكن أوقفت إدارة بايدن هذه الصفقة للمراجعة، ويتوقّع أن يتمّ إيقاف تجميد هذه الصفقة خلال الولاية الحالية للرئيس الأميركي ترامب، ما سيضيف بعداً جديداً ومهماً للقدرات الجوية المغربية.

هذا السياق نفسه يرتبط بمساعي المغرب لتأمين دفاعاته الجوية، وذلك عبر افتتاح مجموعة من قواعد الدفاع الجوي خلال السنوات الأخيرة، من بينها أول قاعدة مغربية مخصصة للدفاع الجوي بعيد المدى، تمّ افتتاحها أوائل العام الماضي، في منطقة "سيدي يحيى" شمال العاصمة الرباط، وتضمّ أنظمة دفاع جوي مختلفة، على رأسها المنظومة الصينية بعيدة المدى "FD-2000B"، التي حصل عليها الجيش المغربي عام 2017، وتعتبر من أعمدة الدفاعات الجوية المغربية، التي تضمّ منظومات أخرى من صناعة الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا و"إسرائيل"، أهمها منظومة "باتريوت" الأميركية و"باراك-8" الإسرائيلية.

على المستوى الجوي، شكّل بدء تسلّم سلاح الجو الجزائري، مقاتلات "سوخوي-35" الروسية، جرس إنذار بالنسبة للمغرب، الذي يعمل منذ فترة على تحديث أسطولها من مقاتلات "أف-16" الأميركية، وكانت آخر هذه التحديثات، بدء دمج منظومات الحرب الإلكترونية الأميركية "Viper Shield" على متن هذه المقاتلات. جرس الإنذار هذا تعزّز بوجود احتمالات جدّية لحصول الجزائر على مقاتلة الجيل الخامس الروسية "سوخوي-57"، وهو ما يرفع بشكل قياسي من المستوى القتالي لسلاح الجو الجزائري، لذا يلاحظ أنّ المغرب يعمل على استغلال هذا الوضع، من أجل التفاوض مع واشنطن للحصول مستقبلاً على مقاتلات الجيل الخامس الأميركية "أف-35"، وهذا الأمر ظهر للعلن بشكل كبير بعد زيارة قام بها مؤخّراً وفد عسكري مغربي، لجناح شركة "لوكهيد مارتن" الأميركية في معرض الصناعات العسكرية "أيديكس"، الذي استضافته مدينة أبو ظبي. 

في الخلاصة، يمكن القول إنّ حالة "التسابق" بين الرباط والجزائر، فيما يتعلّق بالجانب العسكري، ما زالت مستمرة، وتتصاعد بشكل لافت خلال الأشهر الماضية، سواء على مستوى الميزانيات الدفاعية، التي سجّلت أرقاماً قياسية في كلا البلدين للعام الجاري، حيث بلغت الميزانية الدفاعية للمغرب للعام الجاري، نحو 23 مليار دولار، وهي أكبر ميزانية للدفاع في تاريخ المملكة، وتشمل تخصيص ما بين 13 و15 مليار دولار لاقتناء وإصلاح المعدات العسكرية، أو ما يرتبط بالاستحواذ على أنظمة قتالية جديدة، وافتتاح قواعد عسكرية متخصصة. 

حالة الاستنفار المستمرة هذه، يبقى جزء أصيل منها وضع جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية، في ظلّ محاولة الجبهة تصعيد الموقف مع الجيش المغربي بشكل "منضبط"، وهذا تجلّى مؤخّراً عبر محاولة استهداف تمركزات الجيش المغربي في منطقتي "الكلتة" والمحبس" بالصحراء الغربية، أواخر العام الماضي. هذه المحاولات من جانب الجبهة، قد تشهد تصاعداً أكبر خلال المدى المنظور، بعد أن لوّحت قيادتها أوائل العام الجاري، بفتح جبهة القتال مع الجيش المغربي، في حالة تنفيذ خطة لفتح معبر جديد على الحدود المغربية الموريتانية، يربط بين مدينة السمارة المغربية، ومدن ومناطق في شمال موريتانيا، وهو التحذير الذي يتزامن مع توتر مغربي مع الجزائر، على خلفيّة الإعلان عن المناورات العسكرية المشتركة "شرقي 2025" بين فرنسا والمغرب، المقرّر إجراؤها في أيلول/سبتمبر المقبل، في منطقة الرشيدية، قرب الحدود الجزائرية، وهو الأمر الذي عدّته السلطات الجزائرية استفزازاً مقصوداً لها.