10 آلاف دولار تكلفة الزفاف.. الزواج في مصر رفاهية للأغنياء؟
تتزايد نِسَب "العنوسة" بين الشبان المصريين من الجنسين سنوياً، من جراء الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف الزاوج، وتُعدّ تكلفة الزواج في مصر من أعلى التكاليف فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
-
10 آلاف دولار تكلفة الزفاف.. الزواج في مصر رفاهية للأغنياء؟
"مُكبّلاً بحلم الزواج"، يسير أحمد عبد الرازق، في أزقة مصر القديمة وشوارعها النابضة، يحمل على كتفيه صندوقاً خشبياً معلَّقاً على إطاره الخارجي أطباق وأكواب بلاستيكية، حالماً بيوم زواجه الذي يترنح بين ظروفه الاقتصادية وأعباء إكمال بيت الزوجية وتكاليف الزفاف والأثاث، بعد أن باتت التقاليد الاجتماعية في مصر مسرحاً للتباهي الاجتماعي، الذي يُعدّ أكبر عائق أمام زواج الشبان، وفق أرقام رسمية.
بين حلم زواجه، الذي يترنح بفعل تردي الاقتصاد والتمسك بالتقاليد، ينادي هذا الشاب من صعيد مصر ( 28 عاماً) بصوت يحدوه الأمل في غد أفضل، على بضاعته التي تدرّ عليه قليلاً من الأرباح، متوكلاً على الله وأنه "لن يخذلني في استجابة دعائي بالستر والعفة وزيادة الرزق"، يقول عبد الرازق.
معدلات تكاليف الزواج في مصر
في آخر زيارة لقريته في محافظة سوهاج، جنوبي مصر، يروي أحمد عبد الرازق، لـلميادين نت، أن والد العروس "طالبني بالإسراع في إكمال تشطيبات سكن الزوجية والأثاث لمناهزة فترة الخطوبة عامين، وأنا أحاول بكل طاقتي، لكن ظروف العمل لا تساعدني".
تطلب الأُسر في صعيد مصر من العريس توفير كمية محددة من الذهب تكون بمتوسط 100 غرام، بتكلفة أكثر من نصف مليون جنيه مصري (10 آلاف دولار)، أما في القاهرة، فإن متوسط التكلفة نحو 1000 دولار، أو تقتصر على خاتم خطوبة بسيط من الذهب، بحسب الطبقة الاجتماعية للزوجين، ليصبح المهر طوقاً يلفّ رقبة الشاب، ويزيد مع ارتفاع أسعار الذهب بنسبة 120% خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وفق بيانات رسمية.
وتتزايد نِسَب "العنوسة" بين الشبان المصري من الجنسين سنوياً، من جراء الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف الزاوج. وفي عام 2023 أظهرت أرقام رسمية أن متوسط سنّ الزواج ارتفع إلى 30 عاماً للرجال و27 للنساء، وأن العنوسة بين الفتيات فوق 35 عاماً قفزت إلى 12%، في مقابل 8% قبل عشرة أعوام.
وتُعدّ تكلفة الزواج في مصر من أعلى التكاليف فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحيث تتجاوز إجمالي الأجر التراكمي الذي يتقاضاه العريس لمدة 8 أعوام من العمل المتواصل، وفق الجهاز المركزي للإحصاء، الأمر الذي يشكل عبئاً يتجاوز القدرات المادية للشبان، ويضطرهم إلى الانتظار أعواماً، أو العزوف عن الزواج.
حلم يتحطم على صخرة التقاليد والغلاء
تحوّل الزواج، مع تفاقم الأزمة الاقتصادية، من حق أساسي إلى رفاهية تطالها قلة قادرة، وفق حديث محمد أحمد، الشاب الثلاثيني من محافظة الجيزة، للـميادين نت. ويروي تجربته قائلاً: "كنت أحلم بتكوين أسرة منذ أعوام، لكن كلما اقتربت، ارتفعت الأسعار, حالياً، أشعر بأن الزواج أصبح ترفاً لا أملك ثمن تكاليفه".
يحلم أحمد السيد (28 عاماً) بتكوين أسرة، ويقول بصوت مخنوق: "راتبي 7000 جنيه، والمهر المطلوب 60 ألفاً (1200 دولار)، فكيف أبني حلماً وسط هذا الغلاء؟". أما صديقه محمد خالد (30 عاماً)، والذي جلس إلى جواره، فيقول بنبرة حزينة: "المهور تُذلّ الشبان، وتخضع للتقاليد، وأنا لن أقبل ذلك".
تتعثر مشاريع الزواج حالياً نظراً إلى ارتفاع أسعار السلع، إذ تضاعف ثمنها خلال الأعوام الأخيرة. وبفعل ذلك طلب كريم سعيد، المهندس الزراعي، إلى أسرة خطيبته، تأجيل حفل الزفاف مدة 6 أشهر للمرة الثانية، بسبب تزايد أسعار تجهيزات منزله.
سعيد (30 عاماً) يقول لـلميادين نت: "تبقّى لديّ شراء أثاث غرفة النوم وبعض أعمال التشطيبات، ليكتمل سكن الزوجية، بينما أتقاضى راتباً قيمته 9 آلاف جنيه (190 دولاراً)، ولا أستطيع إتمام الزفاف"، أما أحمد محمود، وهو بائع في متجر هواتف، فيقترح تدخل الدولة المصرية لحماية الشبان، وتقديم شقق سكنية مدعومة، وتخفيف الضرائب على الأثاث.
وتُفاقم العادات الأزمة، بحيث يُنظر إلى الزواج كمظهر اجتماعي يتطلب مبالغة في التكاليف. ويشير استطلاع لمعهد البحوث الاجتماعية في القاهرة إلى أن 68 في المئة من الشباب يرون الضغط الاجتماعي سبباً رئيساً لتأخر زواجهم، وعن هذا يقول خالد علي (29 عاماً)، وهو مقبل على الزواج، إن "أهل خطيبتي يطالبون بحفل كبير وأثاث فاخر، وأنا لا أملك هذه الإمكانات، لكنني أحاول"، بينما ترفض نورا مصطفى (26 عاماً) الزواج، قائلة إن "التقاليد تجعل الزواج عبئاً نفسياً ومادياً، وليس في استطاعتي تحمّل ذلك".
ولا يقع عبء نفقات الزواج على عاتق العريس بمفرده، فللعروس وأهلها نصيب. وبأسف عميق، تشكو أم أشرف راضي، ربة المنزل من القاهرة، ضغوطَ تجهيز ابنتها، وتقول إن "ابنتي تمت خطبتها من عامين، واضطررت إلى بيع الحلي الخاصة بي لتغطية تكاليف الأثاث والأجهزة الكهربائية".
ومن الممكن أن يتجاوز تأثيث منزل الزوجية، والذي غالباً يكون 3 غرف، مليون جنيه مصري (20 ألف دولار)، في وقت يرفض المصريون التخلي عن "قائمة الممتلكات"، وهي وثيقة قانونية يُدوّن فيها حقوق العروس على العريس، من مهر وخزانة العرس وكل الأثاث، بالإضافة إلى مبلغ مالي يدفعه إذا طلّق زوجته، ويُعرف باسم "مؤخَّر الصداق".
مظاهر الترف والبذخ
تتسبب وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بزيادة تكاليف الزواج حباً في تقليد النجوم. وعن هذا تقول سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس، للميادين نت، إن "هناك نوعاً من الترف الجنوني أو المَرَضي لدى البعض، فالشاشات والدراما والسوشيال ميديا أصابوا الكثيرين بالهوس، من خلال ما تعرضه من مظاهر ترفيهية وحياة البذخ للنجوم، الأمر الذي يؤثر في المجتمع سلباً، وأصبحت القيم المادية هي المتحكمة في الصورة، وهذا لا يتوافق مع الحالة الاقتصادية الموجودة في مصر".
أما محمد صلاح، أستاذ علم الاجتماع في جامعة عين شمس، فيقول إن "التوعية بتقليص متطلبات الزواج ضرورية، مع تشجيع البساطة"، مشيراً إلى أن الحكومة المصرية أطلقت في عام 2022 "مبادرة زواج الشبان" لتقديم قروض ميسرة للتسهيل على الشباب.