مجدّداً.. تكريس قوة لبنان في مقاومته

سعي السلطة إلى حلول دبلوماسية لإخراج العدو من الأرض التي احتلها في الجنوب، تؤكّد أنّ سياسة "قوة لبنان في ضعفه" سياسة بالية، لا يأخذها العدو بعين الاعتبار، وأنّ ما هو ضمانة للبنان، هو ثلاثيّة "المقاومة والجيش والشعب".

  • عدوان على الضاحية (أرشيف).
    عدوان على الضاحية (أرشيف).

تواصل القصف الإسرائيلي على الجنوب اللبناني، والضاحية حتى يوم أمس. لم تردع المحاولات التي قامت بها السلطة عبر الوسطاء الدوليّين، العدو عن استهداف لبنان، وعلّق رئيس الجمهورية على العدوان الأخير بقوله إنّ "التمادي الإسرائيلي في عدوانيّته، يقتضي منّا المزيد من الجهد لمخاطبة الأصدقاء وحشدهم دعماً لحقّنا في سيادة كاملة على أرضنا".

يعتمد فخامة الرئيس عون الفكرة التي قام عليها الكيان اللبناني منذ نشأته أنّ "قوّة لبنان في ضعفه"، ويصحّ القول بها إنه عفا عنها الزمن، فقد اجتاحتها التطوّرات الدراماتيكية التي رافقت نشوء الكيان، وقضت عليها رغم أنّ مؤيّديها من أركان الكيان السابقين، وأسلافهم الحاليين، لا يزالون يحاولون تجديدها، وإخضاع لبنان لمعاييرها.

الذين يؤيّدون الفكرة كانوا أركان السلطة منذ زمن الانتداب، وهم أولياء رعاتهم المستعمر الفرنسي ـــــ البريطاني، ثمّ الأميركي. أُوكِلوا بإدارة البلد على هذا الركن لأنّ الغرب لم يكن يريد لأيّ من دول تقسيمات سايكس بيكو أن تنهض، وتستفيق ساعية إلى استقلال حقيقي. 

التطوّرات التي وقعت في لبنان منذ أحداث 1958، وجّهت أوّل ضربة للسلطة بغياب أيّ شكل من أشكال المقاومة، ما لبث أن استعاد تركيبتها ـــــ الهشّة ككيان سياسي ـــــ الرئيس الراحل فؤاد شهاب بدعم فرنسي. 

لم تكن أيّ صيغة من صيغ المقاومة قد ظهرت عندما انتهك الصهاينة الإسرائيليون السيادة اللبنانية زمن الشهابية، فضربوا مشروع جرّ مياه الحاصباني في ستينيات القرن الماضي، ودمّروا أسطول طيّارات "الميدل إيست" بعملية إنزال في مطار بيروت الدولي سنة 1968، من دون أن تبرهن صيغة "قوة لبنان في ضعفه" أنها صالحة، أو ممكنة، ولا في أيّ مرحلة من المراحل، وليتأكّد أنّ الهدف من تحميل الكيان في أساساته هذه الصيغة، كان لغاية واحدة وهي ضمان عدم مقاومة المستعمر.

حمل الشعار عينه قادة السلطة اللبنانيون، لكن أكثر من تغنّى به قبل الحرب الأهلية، هم قادة السلطة الموارنة، الوكلاء المباشرون للمستعمر الغربي. 

بعد اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري سنة 2005، ثمّ حرب عام 2006، عادت أصداء المعادلة للارتفاع مع القوى الموالية للغرب، أي قوى الرابع عشر من آذار، وعادت نغمة قوة لبنان في ضعفه تتضمنّها شعارات مثل "تحييد لبنان الإيجابي"، و"النأي بالنفس"، و"تدويل القضية اللبنانية" التي عُرِفت بـ"التدويل"، وما انفكت تطرح باجترار حتى الأمس القريب من قبل مرجعيات سياسية، واجتماعية، ودينية من الصفّ الأول.

مؤخّراً، تجلّت المعادلة في الشعارات التي رفعها سادة الولاء للغرب الأميركي، تالياً الصهيوني ـــــ بشكل مباشر أو غير مباشر ـــــ تبعاً للموقع الذي ارتضاه كلّ طرف لنفسه، وذلك بتحميل المقاومة مسؤولية ما تعرّض له لبنان من قتل وتهجير أبناء الجنوب، وتدمير القرى والبلدات، وما حلّ بلبنان من نكبة في ظلّ الوحشية الصهيوأميركية المتمادية عليه، وفيه، ليصبح العدوان هو الحلّ، والمعتدون هم الذين يحدّدون مساراته، ورئاساته، وسيرورته التاريخية.

لسنا بحاجة للتوضيح أنّ الاحتلال لفلسطين هو سبب نكبات المنطقة، وليس لبنان فحسب، وأنّ ما جرى، وما انفكّ يجري، على مستوى منطقة الشرق بكاملها، هو ثمرة السياسة التي بدأتها الولايات المتحدة الأميركية، وأعلنتها بصراحة من دون خجل وهي استراتيجية "الفوضى الخلّاقة"، من احتلال العراق، لفوضى لبنان المستمرة، ومحاولات ضرب نمو إيران على مختلف الصعد، وليس فقط "ملفها النووي".

بلوغاً لأخطر مرحلة وصلتها المنطقة بما جرى في سوريا، وسيطرة القوى التي دعمها الغرب ـــــ عبر الحليف التركي ـــــ على السلطة في سوريا، وانكشاف الوضع فيها على مصراعيه أمام كلّ الرياح العاتية. وفي هذه الأثناء، فُرِض وقف إطلاق النار بين المقاومة والعدو الإسرائيلي ـــــ الصهيوأميركي ـــــ فعادت تتصاعد نبرة تحميل المقاومة مسؤولية الدمار من قبل ورثاء مفهوم "قوة لبنان في ضعفه"، بينما المقاومة هي التي حمت لبنان من التدمير، والاجتياح، والاحتلال، ومنعت العدو من التوغّل عميقاً في الأرض اللبنانية، وترجمة ذلك في تركيبة السلطة الجديدة، مما اضطره للانكفاء إلى الحدود والتمركز في النقاط الخمس التي ركّز نفسه فيها داخل الأراضي اللبنانية، مهدّداً بالعودة في أيّ لحظة لحالة الحرب.

من الجانب السوري، وقعت أحداث على الحدود الشرقية مع القوى التي شاركت السلطة الحالية مساراتها كافة، ومنها تطبيق السياسات المتوافقة مع المصالح الصهيوأميركية، وليس أدلّ على ذلك من التدمير للجيش السوري، وإصدار السطات السورية الجديدة قوانين تمنع التعرّض للعدو، بأيّ صورة من الصور بما لم تشهده أعتى الديكتاتوريات، حتى باتت مساحات واسعة من سوريا تحت ظلّ الاحتلال الإسرائيلي المباشر.

شكّلت الحالة السورية تهديداً متغطرساً للساحة اللبنانية، في وقت ما انفكّ العدوان الصهيوني يتكرّر بصورة دائمة يومية، حتى بدا لبنان واقعاً تحت حصار صهيوني ـــــ سوري، رتّبت وضعيّته، بصورة نسبية، السياسة اللبنانية الجديدة الموالية للغرب، لكن بدا لبنان وللمرة الأولى قوياً، مصوناً، في كلّ حدوده، بفعل استمرار قوة المقاومة، مثبتة منعتها، وقوتها في الاحتفال التاريخي للقادة الكبار، السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين، وتفاعل المقاومة مع الجيش اللبناني، وإعادة تكريس ثلاثيّة "جيش وشعب ومقاومة" ميدانياً.

اليوم، تسعى السلطات اللبنانية الرسمية لإخراج العدو من الجنوب بوسائلها الدبلوماسية، لنقل باستراتيجية ناعمة، متوازية تكتيكياً مع مقولة "قوة لبنان في ضعفه"، ورغم الضمانات الغربية، والعربية للسلطة الجديدة، لكنّ صلافة العدو تمنع انسحابه من الأرض اللبنانية. 

وتتحرّك السلطات اللبنانية مع "ضامنيها" الغربيين، لكن ليس بيدها سلاح يهدّد غطرسة العدو إلّا سلاح المقاومة.

مسار التطوّرات، وسعي السلطة إلى حلول دبلوماسية لإخراج العدو من الأرض التي احتلها في الجنوب، تؤكّد أنّ سياسة "قوة لبنان في ضعفه" سياسة بالية، لا يأخذها العدو بعين الاعتبار، وأنّ ما هو ضمانة للبنان، هو ثلاثيّة "المقاومة والجيش والشعب".

تجديداً للموقف الذي دخله لبنان منذ "زمن النصر تجلّى، وزمن الانكسارات قد ولّى"، وأنّ سياسة "قوة لبنان في ضعفه" ساقطة، وأنّ الشعار الحقيقي للمرحلة الراهنة، والمقبلة، هو قوة لبنان في مقاومته أساساً، وخصوصاً في قلب معادلة ثلاثيّة "الجيش والمقاومة والشعب".