ملصق صغير يهزّ عرش هارفرد: عن ازدواجية المعايير في تعريف المقاومة

لماذا يُعاد تعريف المقاومة فجأة حين يتعلّق الأمر بشعوب معيّنة؟ لماذا تتحوّل الكلمة إلى جريمة فكرية تحتاج إدارة الجامعات إلى خطط طوارئ للتعامل معها؟

  • المقاومة كقيمة إنسانية شاملة (أرشيف).
    المقاومة كقيمة إنسانية شاملة (أرشيف).

في جامعة هارفرد العريقة، حيث تُرفع الشعارات عن الحرية الفكرية والانفتاح الأكاديمي، لم تعد الكارثة حرباً أو مجاعة أو قمعاً بوليسياً، بل تحوّلت إلى ملصق صغير على حاسوب طالب. العبارة: «عندما يكون الناس تحت الاحتلال، تكون المقاومة مبرَّرة». عبارة موجزة تضع العقل أمام سؤال بديهي: هل حقّاً يحتاج البشر إلى تبرير لمقاومة الاحتلال؟

لكنّ هذا الملصق أشعل ذعراً مؤسساتياً: طلاب "يتأذّون". أساتذة يُستدعون "للاحتواء". وإدارة تُعِدّ سيناريوهات لمعالجة هذه "الأزمة". وكأننا أمام قنبلة أيديولوجية وليست جملة من سبع كلمات.

ازدواجية المعايير: من "أعطني الحرية أو أعطني الموت" إلى "إزالة الملصق فوراً"

المفارقة أنّ الجامعة نفسها، شأنها شأن كلّ مؤسسات الثقافة الأميركية، تحتفل بذاكرة المقاومة حين تكون أميركية. شعار «أعطني الحرية أو أعطني الموت» يُدرَّس كنموذج على البطولة والفداء في مواجهة الاحتلال البريطاني. تمجيد ثورة المستعمرات ضدّ الإمبراطورية العظمى يُعتبر لبّ الهوية الأميركية الحديثة.

لكن ما إن يتغيّر وجه الاحتلال وتُسقِط العبارةُ ضوءاً على الحاضر – أي احتلال آخر غير ذاك الذي انتهى قبل قرنين – حتى تنقلب القاعدة: المقاومة تصبح كلمة مريبة، بل تُصنَّف "معاداة للسامية". فهل التحرّر قيمة مطلقة أم مجرّد ورقة انتقائية تُستخدم حين تخدم رواية الإمبراطورية؟

المقاومة كقيمة إنسانية شاملة

إنّ فكرة المقاومة ليست حكراً على ثقافة أو شعب. من فيتنام إلى الجزائر، من جنوب أفريقيا إلى فلسطين، ومن أوكرانيا اليوم إلى بولندا في الحرب العالمية الثانية: شعوب قاومت الاحتلال، فكان فعلها جوهر الكرامة الإنسانية.

إذاً لماذا يُعاد تعريف المقاومة فجأة حين يتعلّق الأمر بشعوب معيّنة؟ لماذا تتحوّل الكلمة إلى جريمة فكرية تحتاج إدارة الجامعات إلى خطط طوارئ للتعامل معها؟

الجواب: لأنّ الإمبراطورية المعاصرة – بوجوهها العسكرية والإعلامية والأكاديمية – لا تسمح للمفهوم بأن يُستخدَم ضدّها. المقاومة شرعيّة فقط إذا كانت ضد "الآخر" الذي تعاديه أميركا. أما إذا وُجّهت إلى حليفها الاستراتيجي، فهي تحريض، كراهية، تهديد للأمن الأكاديمي.

من حرية التعبير إلى رقابة الملصقات

المشهد في القاعة الدراسية يكشف أزمة أعمق من مجرّد حساسيات طلابية. هارفرد، رمز الحرية الأكاديمية، باتت تدرّب أساتذتها على:

1. كيف يطلبون من الطلاب إزالة الملصقات.

2. كيف يستدعون المكاتب الإدارية "للشراكة" في معالجة الأذى.

3. كيف يحوّلون النقاش من مضمون الفكرة (هل المقاومة مبرّرة؟) إلى قضية إجرائية (كيف نزيل الجملة من الحاسوب؟).

إنها رقابة ناعمة، تبدأ من التفاصيل الصغيرة، لكنها تكشف تحوّل الجامعات من فضاء للنقاش الحرّ إلى جهاز ضبط أيديولوجي. الرقابة هنا لا تأتي باسم القانون، بل باسم "حماية مشاعر الطلاب". لكن، أليست الحرية الأكاديمية نفسها قائمة على احتمال أن نصطدم بأفكار تزعجنا أو تعارضنا؟

حين تتحوّل الضحية إلى متَّهَم

اللافت أنّ من يرفع الملصق ليس هو من يستدعى إلى التحقيق أو المساءلة، بل من يتأذّى من رؤيته هو الذي يُمنح الشرعية الكاملة. هكذا تُحوَّل مقولة الدفاع عن المظلوم إلى تهمة ضدّ صاحبها.

وهذا يعيدنا إلى معادلة قديمة: الضحية لا يُسمح لها حتى أن تسمّي نفسها ضحية، ولا أن تعلن حقها في المقاومة. يُفرَض عليها صمتٌ مزدوج: صمت أمام الاحتلال، وصمت أمام الجامعات التي تصف نفسها بأنها "منابر الحقيقة".

هارفرد وشعار "Veritas": أي حقيقة؟

شعار الجامعة التاريخي هو "Veritas" – الحقيقة. لكن أي حقيقة تُراد هنا؟ الحقيقة التاريخية التي تقول إن كل شعب تحت الاحتلال قاوم ويقاوم؟ أم "الحقيقة الرسمية" التي تُمليها الإمبراطورية؟

حين تصبح كلمة "مقاومة" مرادفة لـ "معاداة السامية"، فهذا يعني أنّ الحقيقة لم تعد بحثاً مفتوحاً بل باتت عقداً مشروطاً: أنت حرّ أن تقول ما نشاء نحن، لا ما تراه أنت.

لذلك يصحّ تعديل الشعار ليصبح: "الحقيقة… شرط أن توافق عليها الإمبراطورية".

دور الجامعات: مختبر للحرية أم جهاز للضبط؟

الجامعات ليست مجرّد قاعات محاضرات. إنها مختبر الأفكار الحرّة. فإذا تحوّلت إلى جهاز للرقابة الفكرية، فقدت جوهر رسالتها.

المطلوب من الجامعات أن تُعلّم طلابها كيف يناقشون، لا كيف يقمعون. أن تحوّل الاختلاف إلى فرصة للتفكير، لا إلى أزمة تحتاج إلى "إدارة المخاطر". أن تقف على مسافة من سياسات الدولة، لا أن تتحوّل إلى امتداد ناعم لأجهزتها الأمنية.

الدرس الأهمّ: الحرية لا تتجزّأ

التناقض الذي كشفه ملصق صغير في قاعة هارفرد يلخّص أزمة الغرب كله: الحرية عنده قيمة مشروطة، تُمنح لشعوبه، وتُسحب عن الآخرين. المقاومة بطولة حين تكون أميركية، لكنها تهمة حين تكون فلسطينية.

والحقيقة أن هذا ليس مجرّد ازدواجية في الخطاب، بل هو جوهر الإمبراطورية الحديثة: احتكار تعريف العدل، واحتكار تعريف الحرية.

إنّ ملصقاً بسيطاً على حاسوب طالب في هارفرد صار كاشفاً لحقيقة عميقة: أنّ معركة الأفكار اليوم لا تُدار في ميادين الحروب فقط، بل أيضاً في الجامعات، في اللغة، في تعريف الكلمات.

المقاومة، كلمةٌ جامعة لكلّ حركات التحرّر في التاريخ، تتحوّل في خطاب القوة العظمى إلى تهمة. الحرية، التي وُلدت منها أميركا، تصبح امتيازاً يوزَّع بانتقائية.

لكن مهما حاولت الجامعات أن تُخفي هذا التناقض تحت قناع "حماية الطلاب"، فإنّ الملصق سيبقى يذكّرهم: حين يكون الناس تحت الاحتلال، تكون المقاومة مبرّرة.