بعوض وعبيد وشاويش في العصر الإسرائيلي كيف يحدث ذلك؟
يصرّ قادة الكيان الإسرائيلي، وهنا من وحي الفكر وليس السياسة أو الميدان فقط، أنهم بعد السابع من أكتوبر تحوّلوا صراحة وبشكل واسع دائم لتأسيس أيديولوجية التوحّش وليس إدارة التوحّش.
-
تعكس مفردات التوحّش الإسرائيلي طبيعة التكوين الغربي الفكري.
يعمل في لواء واحد من ألوية "جيش" الاحتلال الإسرائيلي، 36 شاويشاً يقومون بـ6 مهمات يومياً على مدار شهور الحرب المستمرة على غزة، ضمن (بروتوكول البعوض) باستخدام المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية، باعتبار ذلك ضرورة عملياتيّة مع الإقرار أنها جريمة قانونية يضع منفّذها المباشر في مواجهة القانون الإسرائيلي الرسمي في حال تفعيله والقانون الدولي في حال إحياء ضميره، ولكنّ ذلك يحصل طوال هذه الحرب، وعلى الأقلّ عاينه ضابط بشكل مباشر لمدة 9 أشهر هي فترة خدمته، في مقال نشرته هآرتس الإسرائيلية.
حصيلة هذا الفعل المستمر تعني أنّ "جيش" الاحتلال أقام جيشاً من العبيد، كوحدة متقدّمة في حقل ألغام غزة وكلّ بيوتها وشوارعها، جردة حسابيّة لمدة عام من هذه الحرب فقط، تشير إلى استخدام قوات الاحتلال جيشاً مكوّناً من 80 ألف مدني على الأقلّ تمّ استعبادهم بالقوة وتحت التهديد بالقتل، لتنفيذ عمليات خطيرة في مقدّمة كلّ زحف لـ "جيش" الاحتلال داخل غزة، وهذا يحصل داخل الضفة أيضاً ومنذ زمن بعيد، وسبق أن استشهد مواطن فلسطيني في طوباس برصاص مقاوم فلسطيني، عندما حوصر ففتح النار على القوة الإسرائيلية ليتبيّن لاحقاً أنّ "جيش" الاحتلال أجبر مدنياً فلسطينياً على ارتداء ملابس هذا "الجيش"، ويتقدّم الصفوف ليستكشف مكامن الخطر أو بالأحرى ليكون صاعق تفجير في حقل ألغام أو غابة بارود.
وهكذا ينفتح قيح الإجرام الإسرائيلي عن العقل الأيديولوجي المبرمج، ليظهر سذاجة الاستكشاف الإعلامي خلف أتون هذا العقل، حيث ما زالت كلّ متابعات هذا الاستكشاف عاجزة عن تذوّق حقيقة ما تفرزه ماكينة التوحّش الإسرائيلي الذي استجلب 60 ألف مرتزق عبر العالم، واستقدم عملاء من كلّ مكان ليعملوا في مقدّمة قواته، ولكن أن يكون قد أقام جيشاً من العبيد من المدنيين المستضعفين؟!
فهذا ما يعجز الخيال عن الوصول إليه، فيما البشرية في عصر الحضارة الغربية المدعاة تقيم ميثاق جنيف لرعاية حقوق الإنسان، وأقامت تحالفاً دولياً ضدّ "داعش" وخطها الفكري الذي أقام سوقاً للعبيد في الموصل، وهو ما حرّك العالم ضدّ "داعش" وهي تحاول العودة بالإنسانية إلى ما تعتبره عصور الظلام.
يصرّ قادة الكيان الإسرائيلي، وهنا من وحي الفكر وليس السياسة أو الميدان فقط، أنهم بعد السابع من أكتوبر تحوّلوا صراحة وبشكل واسع دائم لتأسيس أيديولوجية التوحّش وليس إدارة التوحّش كما حاولت "داعش"، وكانوا في الكيان الإسرائيلي قبل ذلك على فترات من التوحّش وضمن نطاقات محدودة تتسع وتنقبض ضمن واقع الميدان، يُسَخّر الكيان الإسرائيلي كلّ طاقاته ومعه كامل المنظومة الغربية من لندن وبرلين وباريس وواشنطن، بكلّ تنوّعها الفكري والفلسفي، لإنتاج رؤية أيديولوجية جديدة تضع الرأسمالية والمادية والدكتاتورية والشمولية والنازية والفاشية خلف الظهور أمام ما تفرزه حرب الإبادة الإسرائيلية الغربية.
إنه العصر الإسرائيلي في "تل أبيب" وواشنطن، وقد نجح في إقامة جيش العبيد من المدنيين المسحوقين تحت التهديد والرعب، يريد الآن في تجدّد الحرب على غزة وبيروت وصنعاء وجنين ودمشق وربما طهران، إقامة عالم من العبيد مسلوبي الإرادة إلا في خدمته جبراً، ولم يعد يستكفي بثقافة التطبيع والتنسيق الأمني ولا حتى بصورته الإبراهيمية، ليكون الجميع ضمن مفرداته الوضيعة في هذا الزمن الإسرائيلي.
الضرورة العملياتية في بروتوكول البعوض الإسرائيلي، يتمّ تأسيسها الميداني ضمن نظرة عقلية وليس مجرّد سلوك عسكري، هي سرعة المهمّة على حساب بعوضة بشرية لأنّ استخدام الكلب أو الروبوت يحتاج زمناً أطول، وأهل غزة صاروا عند قادة الكيان حيوانات في ظهيرة السابع من أكتوبر، فلا ماء ولا كهرباء ولا غذاء، ثمّ تطوّرت برمجة هذا العقل للتعامل المنهجي معهم باعتبارهم مجرّد بعوض أو عبيد سخّرهم الرب (يهوة) في استقبال الخطر عن جنوده من شعب الله المختار، ليس فقط عند (الضرورة) وقد صارت (حاجة) لما هو مجرّد سرعة تنفيذ المهمات القتالية في بيوت غزة المدمّرة.
وما بين (فقه الضرورة وقضاء الحاجة) ثمّة انسياح في العقل الإسرائيلي بل الغربي على أطلال الحسّ الإنساني، فمن تراه صار حيواناً مفترساً وبعوضة تمصّ الدماء وعبداً للغريزة والشهوة والشبق المادي بعد السابع من أكتوبر، هل هو هذا المستضعف في غزة وجنين أم هو الوحش الإسرائيلي والأميركي والألماني؟
تعكس مفردات التوحّش الإسرائيلي طبيعة التكوين الغربي الفكري، وقد غرق معه في جحيم غزة، الذي فتحه ترامب عبر بيتكوف وأطنان المتفجّرات في غزة والضاحية وصعدة وتهجير أهل المخيمات في جنين وطولكرم، في تخيير جبري للعالم الشرقي لا ثاني له؛ إما أن تكونوا عبيداً بعوضاً أو هو الجحيم الأميركي بتنفيذ إسرائيلي، وهذا لا يخصّ الفلسطيني وحده، فهو ما زال يقاتل بأدوات بدائية وإن متعباً مثخناً، تسنده جبال اليمن الشاهقة ولكنها الجغرافيا تحول دون تفعيل الضربات، جحيم للعرب والمسلمين وللإنسانية المعذّبة بهذا الشقاء الذي طال أمده، حيث تذوب بقايا الجسد الفلسطيني رفضاً للعبودية والبعوضيّة، نهج حياة وميثاق شرف وثقافة أجيال، حيث صرخات باسل الأعرج تتردّد في الصدى فالمثقّف المشتبك أوّل من يقاتل وآخر من يستسلم، لأنه يعيش نيصاً ويقاتل كالبرغوث حيث لا مفردة للعبودية فضلاً عن البعوضيّة في أرض جباليا وجنين وصعدة والعديسة.