حزب الله ما بعد الحرب.. غموض تكتيكي أم صبر استراتيجي!
المقاربة التي يعتمدها حزب الله الآن هي مزاوجة بين الغموض التكتيكي والصبر الاستراتيجي، حيث يسعى الحزب من وراء ذلك لكسب المزيد من الوقت لاستعادة عافيته استعداداً لمعركة قد يراها آتية لا محالة.
-
يسعى الحزب لإضفاء الكثير من السرية والكتمان على مجمل تحرّكاته الحالية.
لا يختلف اثنان على أنّ فتح حزب الله جبهة الإسناد لقطاع غزة في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر من العام 2023 قد كلّفه ثمناً كبيراً، إذ خسر الحزب خلال قتاله على تلك الجبهة التي تطوّرت من الإسناد إلى المواجهة المباشرة بعد مجزرة البيجر واغتيال السيد فؤاد شكر عدداً غير مسبوق من قادة الصف الأول فيه، كان على رأسهم أمينه العام سماحة السيد حسن نصر الله رضوان الله عليه، ومن بعده خليفته السيد هاشم صفي الدين، إلى جانب معظم قادة المجلس الجهادي الأعلى، والذين وإن تمّ استبدالهم لاحقاً بقادة جدد، إلّا أنّ تأثير غيابهم كان واضحاً على بعض المحطّات أثناء الحرب وبعدها.
في المرحلة التي تلت الحرب بدا جليّاً أنّ حزب الله الذي كنّا نعرفه طوال مسيرته الطويلة قد تغيّر، وأنّ وزنه السياسي والعسكري على الجبهتين الداخلية والإقليمية قد انخفض، ولا سيّما بعد سقوط النظام السوري السابق، والذي كان يُعتبر أحد أهم حلفاء الحزب، وكان يمثّل الشريان الرئيسي الذي يعتمد عليه للتزوّد بالسلاح المقبل من جغرافيا أبعد، إضافة إلى التغيّرات التي جرت على المستوى اللبناني الداخلي، والتي شهدت فرض المحور المعادي للمقاومة بشقّيه الغربي والعربي لمعظم أجنداتهم سواء على صعيد انتخاب رئيس للجمهورية، أو فيما يتعلّق بتكليف رئيس للوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة.
هذا التغيّر المُشار إليه أعلاه عبّرت عنه جملة من التطورات خلال الأسبوعين الأخيرين تحديداً، وفي مقدّمتها مسارعة الحزب لنفي مسؤوليته عن إطلاق الصواريخ على الكيان الصهيوني، وإعلانه تفويض الدولة اللبنانية بمتابعة ما نتج عن ذلك من عدوان إسرائيلي، مع أنّ العدو الذي تذرّع بهذه الصواريخ مجهولة المصدر لشنّ العدوان على لبنان، والذي وصل جزء منه إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، قد اخترق اتفاق وقف إطلاق النار أكثر من ألفي مرة منذ بدء الهدنة، ولم يبادر الحزب للردّ على ذلك، حتى عندما تمّ اغتيال العديد من كوادره ونشطائه رغم سريان الاتفاق، والذين كان آخرهم الشهيد القائد حسن بدير ونجله علي.
هذا الموقف غير المعهود على حزب الله طوال مسيرته الجهادية المشرّفة أثار الكثير من اللغط، وفتح الباب على مصراعيه أمام العديد من الاجتهادات سواء من المحبّين أو الكارهين، بل ومنح خصوم الحزب ومنتقديه مساحة واسعة للتشفّي والشماتة، وإظهار كلّ ما كانوا يخفونه في أنفسهم خلال سنين خلت، ومن بين هؤلاء بعض الذين كانوا يُعتبرون حلفاء للحزب في الداخل اللبناني، وفي الخارج أيضاً.
في "إسرائيل" المغرورة والمنتشية بما تعتقد أنه تحقّق من إنجازات، والتي تضرب يميناً ويساراً من دون أيّ رادع أو مانع، ينظرون إلى أوضاع الحزب المستجدّة من زوايا مختلفة، فمنهم من يعتقد أنه يمرّ بمرحلة من عدم الاتزان جعلته ينكفئ ويتراجع، ومنهم من يرى أنّ ما حلّ بالحزب من خسائر "فادحة" على الصعيدين السياسي والعسكري قد أسقطه بالضربة القاضية، وأنّ المزيد من الضغط قد يدفع الحزب إلى سلسلة جديدة من "التنازلات"، قد تصل في جزء منها إلى تحوّله إلى حزب ضعيف لا يشكّل أيّ تهديد على "الدولة" العبرية على المديّين القريب والمتوسط على أقلّ تقدير.
جهات إسرائيلية أخرى ولا سيّما من القادة العسكريين الإسرائيليين السابقين، يرون أنّ إمكانية تعافي الحزب، واستعادته لدوره المعهود، وفي المقدّمة منه مواجهة الكيان الصهيوني، وإفشال مخططاته التي يعدّها لكلّ المنطقة وليس للبنان فقط، ممكنة ومُتوقّعة، بل ويمكن أن يحدث هذا التعافي في وقت قياسي لا تتوقّعه أجهزة استخبارات العدو، والتي تحاول مراقبة ومتابعة أيّ خطوة تصدر عن الحزب، وصولاً إلى استهداف تحرّكات عناصره الميدانية خصوصاً في مناطق الجنوب اللبناني.
على كلّ حال، وبعيداً عن النظرة "الإسرائيلية" لأوضاع الحزب الحالية، نحن نعتقد ومن خلال معرفتنا بعقيدة الحزب الأيدلوجية، خصوصاً فيما يتعلّق منها بالعلاقة مع العدو الصهيوني، والتي تنصّ صراحة على أنّ هذا الكيان الجاثم على أرض فلسطين هو كيان غير شرعي، وقاتل، ومجرم، وأنه يمثّل ذروة الشرّ في المنطقة والعالم، وأنه بمثابة رأس حربة لقوى الاستعمار العالمية، وأنه لا يمكن الاعتراف به، أو التحاور معه، أو مجرّد التفكير في الاقتراب منه أو من مواقفه بأيّ حال من الأحوال، وأنّ الوسيلة الوحيدة للتعامل مع هذا الكيان المارق هي المواجهة المباشرة على الصعد والمستويات كافة، على الرغم من التكلفة الهائلة التي قد يدفعها الحزب على هذا الطريق.
هذه العقيدة التي يتوارثها قادة وكوادر ومنتسبو وحاضنة حزب الله من جيل إلى آخر، والتي يتمّ تأكيدها في كلّ المناسبات لا تُعطي فرصة لأيّ انسحاب أو تراجع أو انكفاء أمام المشروع الصهيوني في المنطقة، وهو الأمر الذي ينسحب أيضاً على العلاقة مع حلفاء وأنصار هذا المشروع من دول وجماعات وأفراد.
وبالتالي وبناء عليه يمكن لنا الاعتقاد بأنّ المقاربة التي يعتمدها حزب الله الآن هي مزاوجة بين الغموض التكتيكي والصبر الاستراتيجي، حيث يسعى الحزب من وراء ذلك لكسب المزيد من الوقت لاستعادة عافيته استعداداً لمعركة قد يراها آتية لا محالة، ولا سيّما في ظلّ هذا التوحّش الإسرائيلي المفرط، والذي لا يبدو أنه سيتوقّف عند حدود جغرافية قريبة كانت أو بعيدة.
على صعيد الغموض التكتيكي يسعى الحزب لإضفاء الكثير من السرية والكتمان على مجمل تحرّكاته الحالية وخطواته المستقبلية، وهذا الأمر ينطبق على التحرّكات الميدانية بشكل أساسي، وهي التي تتعلّق بإعادة التموضعات العسكرية في الجغرافيا اللبنانية، ولِمَ لا في جغرافيا أخرى لا يعلمها أحد، بالإضافة إلى محاولة استعادة جزء مهم وأساسي من قدراته القتالية سواء على صعيد الإمكانيات والأدوات العسكرية، أو فيما يتعلّق بالقدرة البشرية التي تضرّرت بنسبة معيّنة وخصوصاً بعد مجزرة البيجر، أو من جرّاء المواجهات المباشرة التي جرت في القرى الحدودية مع فلسطين المحتلة، إلى جانب الكثيرين من الذين سقطوا في عمليات اغتيال صهيونية وُصفت بالنوعية خلال أشهر الحرب وما تلاها.
هذا الأمر تطلّب تغييراً جذرياً في أداء حزب الله، ولا سيّما على الصعيد الإعلامي، حيث بات الصمت على الكثير من التطوّرات سمة واضحة في أداء الحزب، إضافة إلى عدم تطرّقه إلى تطورات أخرى في البيانات "الشحيحة" التي تصدر عنه، أو في إطلالات أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم، والذي يبدو أنه يحاول تفادي الكثير من الخلل الذي أصاب المرحلة الماضية في تاريخ الحزب، وهو الأمر الذي يتطلّب جهداً كبيراً ومستداماً بعيداً عن أعين المتربّصين ودوائر الاستخبارات الإسرائيلية والعالمية.
فيما يخصّ الجزء الثاني من مقاربة حزب الله للأوضاع بعد انتهاء الحرب، والتي تتعلّق بانتهاج خيار الصبر الاستراتيجي إزاء الكثير من التطوّرات الداخلية والخارجية، فهي تبدو واضحة وجليّة ولا تخطئها عين، وهي كما يبدو استلهام للتجربة الإيرانية الشهيرة في هذا المجال.
ضمن هذه الاستراتيجية التي نراها محفوفة بالكثير من المخاطر في ظلّ الظروف الحسّاسة والمعقّدة التي تمرّ بها المنطقة، يعمد حزب الله إلى غضّ النّظر عن سابق قصد عن كثير من الخسائر التكتيكية التي لحقت به وما زالت، وعدم بذل أيّ جهد ميداني أو سياسي للردّ عليها، أو محاولة معالجة نتائجها بالطرق "الخشنة" التي اعتاد عليها سابقاً.
من هذه الخسائر الاستهداف الإسرائيلي المستمر والذي لم يتوقّف لكوادره في كلّ جغرافيا لبنان، إلى جانب استهداف العدو لبنيته العسكرية ولا سيّما تلك الخاصة بمنصّات الصواريخ سلاح الحزب الأهم، بالإضافة إلى الخسائر السياسية الفادحة والتي دفعت الحزب إلى التخلّي عن مرشّحة لمنصب رئاسة الجمهورية في لبنان، والذي سبق لأمينه العام الراحل أن أعلن مراراً وتكراراً التمسّك به مهما كلّف الأمر، وهو الأمر الذي انسحب أيضاً على الموقف من انتخاب رئيس للوزراء.
هذه الخسائر وغيرها الكثير من الذي لا يتسع المجال لذكره، لا يبدو أنّ حزب الله في عجلة من أمره للردّ عليها، أو التصدّي لها، وهو يحاول التعايش مع الجزء الأكبر منها، وخفض تداعياتها السلبية إلى الحدّ الأدنى، إلى جانب انتهاج خطط طويلة المدى قد تنجح لاحقاً في تعويض جزء كبير من الخسائر المرحلية، وفي عودة الحزب لممارسة دوره الحقيقي على الصُّعد والمستويات كافة.
ختاماً يمكننا القول إنّ المرحلة الحالية التي يمرّ بها حزب الله، والتي نشأ عنها الكثير من التغيّرات والتحوّلات المُشار إلى بعضها أعلاه، هي مرحلة بالغة الدقّة والتعقيد، وهي تحتاج من الحزب كما هو الحال مع باقي أطراف محور المقاومة إلى التحلّي بالكثير من المرونة لمعالجة سيل الأزمات الناتجة عن المواجهة المحتدمة مع محور الشرّ، هذه الأزمات التي لا تكاد تتوقّف عند جغرافيا معيّنة، بل إنها تتمدّد طولاً وعرضاً وفي كلّ الاتجاهات، ويمكن لها في مرحلة مقبلة أن تصل إلى قلب مشروع المقاومة في طهران.
صحيح أنّ الثمن الذي يمكن أن يُدفع خلال المرحلة الحالية سيكون كبيراً، وربما يؤدّي إلى المزيد من الخسائر غير المعتادة، والتي لا يبدو أنّ حاضنة المقاومة تتقبّلها بصدر رحب، وهي تطالب بالتصدّي لها مهما كلّف الأمر، وصحيح أنّ الحسابات المتعلّقة باعتماد مثل هذه المقاربات يمكن أن تخطئ في بعض تفاصيلها، وهو ما يمكن أن تنتج عنه خسائر تتعدّى المرحلية والتكتيكية إلى الاستراتيجية، إلا أنّ المواجهة الحالية تفرض على الجميع استخدام وسائل وأدوات جديدة للتصدّي لها ومجابهتها، ولِمَ لا التقليل من التداعيات الناتجة عنها في ظلّ اختلال موازين القوى وتفاوت القدرات.