فضيحة "سيغنال": حين تتحوّل حياة الشعوب إلى رسائل عابرة في دردشة إمبراطورية
الفضيحة التي فجّرها غولدبرغ ليست الحادثة الأخيرة. طالما تُدار القرارات الكبرى على تطبيقات الهواتف، وطالما تتحوّل دماء الأطفال إلى رسائل سياسية، فإنّ الكارثة المقبلة ليست سؤالاً… بل موعداً.
-
مؤسسات عظمى تُدار من تطبيقات الهواتف.
تخيّل أن تصحو ذات صباح على رسالة واردة في هاتفك، لا تحمل دعوة لحفل أو إشعاراً إخبارياً، بل خريطة لهجوم عسكري وشيك، وأسماء جنرالات، ووثائق "سرّية للغاية"، وأحاديث عن قنابل ستُلقى بعد ساعات فوق رؤوس الأبرياء.
هذا ما حدث بالفعل للصحافي الأميركي جيفري غولدبرغ، حين أُضيف عن طريق الخطأ إلى مجموعة دردشة على تطبيق "سيغنال" تضمّ مسؤولين من إدارة الرئيس السابق (والمرشح الرئاسي المحتمل) دونالد ترامب، وهم يخطّطون لضربة عسكرية على اليمن.
لم تكن الواقعة نكتةً تقنية، بل زلزالاً سياسياً وأخلاقياً كشف عمّا صار عليه القرار الأميركي: نزوات عسكرية تُحاك في غرف محادثة، وأرواح تُقرَّر مصائرها بلمسة إصبع على شاشة هاتف ذكي.
مؤسسات عظمى تُدار من تطبيقات الهواتف
حين اندلعت الفضيحة، سارع البيت الأبيض إلى التقليل من خطورتها، واصفاً ما جرى بأنه "ثغرة فردية".
لكنّ الحقيقة أبعد وأخطر. فالواقعة لم تكن خطأ عابراً، بل نافذة فتحت ـــــ من دون قصد ـــــ على تفكّك بنية الدولة العميقة الأميركية، وتحلّل مؤسسات القرار داخل القوة العظمى.
في مجموعة دردشة مشفّرة، كان كبار مساعدي ترامب يتداولون توقيت القصف، وأنواع الذخائر، وأسماء قادة ميدانيّين، ويبرّرون الهجوم بأن الهدف هو "إرسال رسالة" ـــــ لا أكثر.
اليمن… ساحة الرسائل الدامية
كالعادة، كان اليمن هو الرقم الهشّ في المعادلة. بلدٌ منكوب بحروب الوكالة، مُنهَك بجراحه المفتوحة، تحوّل مرة أخرى إلى حقل تجارب لإثبات العضلات الإمبراطورية. لم يكن الهدف منع كارثة أو صدّ خطر وشيك، بل إيصال "رسالة سياسية" ـــــ رسالة مكتوبة بالدم، ومُرسلة على حساب أرواح الأبرياء.
ولم تمرّ أيام حتى سُجّلت غارات جديدة على صنعاء. فيما كانت الإدارات الأميركية تحاول امتصاص الفضيحة، كان المدنيون اليمنيون يضيفون أسماء جديدة إلى قوائم الضحايا.
الإعلام الأميركي… بين التغاضي والتبرير
الأكثر خطورة مما جرى، هو تعامل الإعلام الأميركي مع الفضيحة. لم تُفرد لها الصحف الكبرى عناوينها الرئيسية، ولم تتحوّل إلى موضوع سجال سياسي عميق.
ولو أنّ الواقعة وقعت في موسكو أو طهران، لأقامت الصحف والمنصات الدنيا ولم تُقعدها.
لكن في واشنطن، تحوّلت إلى "خطأ بشري" أو قصة طريفة تنتهي بتغريدة اعتذار.
التداعيات الأعمق: من اليمن إلى غزة وبيروت
ليست هذه الفضيحة حدثاً معزولاً. ففي الوقت الذي كانت فيه تفاصيل الغرفة السرّية تتسرّب للإعلام، كانت غزّة تُحاصر للعام الثاني على التوالي، والجنوب اللبناني يُقصف كلّ مساء، وسوريا تُستباح بطائرات بلا طيار.
فالرسالة التي كشفتها غرفة دردشة "سيغنال" ليست موجّهة إلى اليمن وحده، بل إلى كلّ شعوب الجنوب العالمي:
أنتم أرقام في معادلة المصالح الكبرى. يمكن أن نضغط على الزرّ، فتمطر السماء ناراً، لأننا نحتاج أن نُرسل رسالة.
حين يصبح الخطأ سياسة معتمدة
كتب الأديب الأميركي الراحل نورمان ميلر ذات مرة: "في الإمبراطوريات العظمى، لا يحدث شيء بالخطأ… كلّ خطأ هو قرار مؤجّل".
وهذه الواقعة ليست استثناءً. هي الدليل الصارخ على أنّ حياة الشعوب ـــــ في منطقتنا خصوصاً ـــــ أصبحت تُحدّد على عجل في غرف دردشة، بين مسؤولين لا يروننا إلا كإحصائيات عابرة أو أداة ضغط في صراع الكبار.
هل ننتظر الغرفة المقبلة؟
الفضيحة التي فجّرها غولدبرغ ليست الحادثة الأخيرة. طالما تُدار القرارات الكبرى على تطبيقات الهواتف، وطالما تتحوّل دماء الأطفال إلى رسائل سياسية، فإنّ الكارثة المقبلة ليست سؤالاً… بل موعداً.
ولأنّ الموت حين يُسقط من السماء "عن طريق الخطأ" لا يكون أقلّ فتكاً من الموت المتعمّد، فإنّ الصمت أمام هذه اللامبالاة الإجرامية جريمة مضاعفة.
فهل يجرؤ هذا العالم على كسر صمته قبل أن تُضاف غرفة دردشة جديدة إلى سجل المجازر؟