العقل ومحنة ابن رشد في رواية بيت من زخرف

هل ينتمي ابن رشد لتراث عربي إسلامي أم للثقافة الإسبانية؟ فباعتقادي أن الأهم أنه ينتمي إلى الثقافة الإنسانية التي تهم وتفيد الإنسان.

  • العقل ومحنة ابن رشد في رواية بيت من زخرف لإبراهيم فرغلي
    العقل ومحنة ابن رشد في رواية بيت من زخرف لإبراهيم فرغلي

في خيط سردي متصل ومتناوب يأخذنا إبراهيم فرغلي إلى القرن الثاني عشر ليضيء على محنة قاضي القضاة أبي الوليد ابن رشد ويقتفي آثار فكره، باعتباره رائداً للفكر العقلاني ورجلاً يعلي من شأن كل ما يمكن تدبره بالعقل، والذي كان يمهد لنهضة معرفية كبيرة في الأندلس، تميزت بالانفتاح على الفكر العقلاني بصفته وعياً جماعياً إبّان حكم الموحدين، المحنة التي تمخّضت عن حرق كتبه ونفيه إلى منطقة معزولة "اليسانة"، فابن رشد الذي قدم شروحات لفكر أرسطو لا تزال أوروبا تدرّسها في دور علمها، يعتبر أن العقل هو أهم ما منحه الخالق لعباده. 

             "هذا الإمام وهذه أعماله

           يا ليت شعري هل أتت آماله" 

حيث تكاتفت ضده الأصولية الفكرية التي تعتبر كتب الحكمة والفلسفة من أعمال التجديف والزندقة، واستطاعت الوصول إلى لعن الفلاسفة على المنبر، وتوصلت أخيراً إلى إقناع الخليفة المنصور بحرق كتب الحكمة والفلاسفة وخاصة كتب ابن رشد.

هذا الخيط من الماضي يصله بالحاضر ويومئ إلى حكاية ما وقع في مصر من محنة المفكر نصر حامد أبو زيد، الذي كفرته شرطة الفكر وقضت بتطليقه من زوجته ونفيه، وهو وإن لم يسمّه صراحة، ولكنه في إهداء الكتاب إلى روحه وصلت الرسالة إلى القارئ.

عبر مخطوط تنقل عبر العصور، تخيل الكاتب أن لبنى إحدى طالباته أو من سمّاها "عشيقة ابن رشد" هي من قامت بكتابته أثناء نفي ابن رشد بمدينة "إليسانة" مدينة اليهود،  صبية تعيش أحاسيس غامضة تجاهه، تتوزع بين المعلم والأب والحبيب، هذا الكتاب تترجمه راحيل صديقة لبنى إلى العبرية، ويصل إلى يد مترجمة فرنسية في القرن السابع عشر الميلادي فتنقله إلى الفرنسية، ثم يقع الكتاب أو المخطوط في يد ألفارو المتولّه بالاستحواذ على الكتب القديمة والمخطوطات لغاية في نفسه، ثم في يد مانويلا حبيبته، والتي تأسرها الحكاية وتعيش حالة انجذاب عجيبة تجاه فكر وتاريخ العلامة الشهير، وتقوم بكتابة سيرة متخيّلة له، أي لابن رشد، وفق ما فهمت ووصل إليها من يوميات لبنى، ولسبب ما دفنت هذه السيرة معها في قبرها، وبعد وفاتها تقوم "ماريا إيلينا" وهي من كانت جليستها وعينها التي تقرأ لها بعد ضعف بصرها،  باستخراج تلك اليوميات بطريقة بوليسية بمساعدة أستاذها في الجامعة، المصري إسكندر، الذي تعيش معه قصة حب ملغومة، والذي تتكشف تفاصيل عنه فيما بعد، وعن لغز كبير في حياته، وحقائق عن محنته هو الآخر وتاريخ صراعه مع محاربي العقل والتفكير، والذي يتشابه في ظروف حياته مع المفكر نصر حامد أبو زيد ، ولكل شخص من هؤلاء الأشخاص سيرة حياة واهتمامات ومشاكل وحيثيات خاصة بكل عصر، ولكن الكاتب يُنهي العمل بتوجيه سيالة وامضة للحاضر والمستقبل، عكستها الوصية التي حملتها "إيلينا ماريا" عن "مانويلا" بأن يصل الكتاب إلى "زياد" ابن أختها الشاب المتشدد والمتطوع مع جهات جهادية، والذي يقضي عقوبة السجن لاتهامه بتفجيرات مدريد، كرسالة للجيل المقبل كي يقرأ التاريخ ويراجع نفسه ويطلع ويتعلم. 

في نسيج متشابك من الفترات الزمنية والأمكنة والأشخاص، بنى صاحب قارئة القطار عمارته السردية، عبر رؤى ما بعد حداثية خلال تشظي الزمن السردي في تنقلاته بين الماضي والحاضر، وفي توخّي مستقبل يكون فيه للفكر أجنحة لا تحده عن الطيران، 

حيث تتقدم حمولة السرد عبر أشخاص " لبن -راحيل_ألفارو_مانويلا_ إلينا ماريا " وتتوزع في أماكن شهدت زمناً حافلاً مثل الماسكيتا وجامع قرطبة والقنطرة، مروراً بالمناطق الإيطالية بصفتها آثاراً لمرحلة مضيئة في التاريخ، منُقّلاً أبطاله بين إسبانيا والبرتغال وروما ومصر، عبر لغة يحرص فيها على أن تكون متواكبة مع ملفوظ عصرها، حيث لغة الماضي شبيهة بها من حيث رصف الألفاظ وجزالتها وتوشيحها بالغريب من المفردات، بينما لغة الحاضر أكثر سلاسة ونعومة وحيوية، كما تلحظ محاولته الإيهام بالعجائبية عند ذكره الغجرية ذات العين الراكضة، وكأنها أليس في بلاد العجائب، تأخذه  إلى أفكار وخيالات وعوالم تفصل بيننا وبينها أزمان ومسافات لا تُحد، ليكون رمزية  العمى البصري لابن رشد، يقابلها حمله للعين البصيرة التي تنقل سيرته إلى الأجيال اللاحقة.

كما حفل النص بإشارته إلى شخصيات واقعية تسربت إلى نصه كمحاكاة، فهذا النحات عاصي الحلبي الذي دفنت أعماله خوفاً من المستبدين وفقهاء الظلام، وكأني به يشير إلى أعمال عاصم الباشا المدفونة ببلدته السورية، عند إشارته إلى تمثال المعرّي المقطوع الرأس، والتي عمل الباشا على إعادة إحيائه بمشروع آخر بتمثال له في فرنسا، ليكون بديلًا عن واقع ظلامي قضى بقطع رأس تمثال لمفكر وشاعر ما زالت آثار فكره نابضة ومتجددة وموضع دراسات وأطاريح دراسات عليا لغاية الآن.

أما القصة المتخيلة لعشق التلميذة" لبنى" لأستاذها وملاحقتها لآثاره وتتبعها له في رحلة نفيه، قد تثير العجب، والذي يتبدد عندما نعرف أن "لبنى" فقدت أباها باكراً، ما يعزز فكرة التعويض الذي يتركب في لا وعيها، إضافة إلى موقف ابن رشد الحضاري من المرأة، فلديه رؤى تحررية وعادلة تجاه النساء. 

فهو يقول: "إن الكثير من فقر عصرنا وبؤسه يرجع إلى أن الرجل يمسك المرأة لنفسه كأنها نبات أو حيوان أليف، لمجرد متاعٍ فانٍ، يمكن أن توجه له جميع المطاعن، بدلاً من أن يمكنها من المشاركة في إنتاج الثروة المادية والعقلية وفي حفظها "

هذا القول الذي يتلاءم مع شغفها بالفلسفة وأحقيتها كإنسانة بالعلم والتعلم واكتساب المعرفة، ممّا زاد في أسباب تعلقها، وهذا الشغف بالفلسفة والعلوم يحتاج إلى استقرار وهدوء وسلام، ما جعلها تتساءل عن الحروب وأثرها المدمر على البشرية، والتي تُحل بعدها باتفاقيات ومعاهدات، ما جعلها تتساءل "لماذا لا تأتي المعاهدات قبل القتال".

أُعيد الاعتبار فيما بعد لابن رشد بعد عفو الخليفة المنصور، ولكن أفكاره لقيت سوء تأويل كذلك من قبل معارضي الرشدية الكنسيين في أوروبا، وخاصة خلافه مع توما الاكويني حول العقل الواحد، وإصرار هذا الأخير على أن ذلك يؤدي إلى إقصاء الفرد وتهميشه، ولكن، كان رأي ابن رشد أو أفيرويس حسب ما يُطلق عليه في الغرب: "هذا العقل الفعَّال له فعلان: أحدهما من حيث هو مفارق يعني قادر على أن يعقل ذاته، والثاني أن يعقل المعقولات التي في العقل الهيولاني كما سمّاه، أو العقل بصورته الكلية لجموع الناس أو مبادئ العقل التي توحد بين البشر، وعلى ذلك يمكن إدراك وحدة في تفكير الناس، من دون أن تفقدهم هذه الوحدة فرديتهم في التفكير أو استقلالهم التفكيري. لكنها لا تصبح فاعلة إلا عند القيام بعملية التفكير أو الخيال. والخيال هنا مهم للتفكير بنفس أهمية فكرة وجود الضوء بالنسبة للعين".                                                                                

وعلى الرغم من السؤال الملتبس، هل ينتمي ابن رشد لتراث عربي إسلامي أم للثقافة الإسبانية، فباعتقادي أن الأهم أنه ينتمي إلى الثقافة الإنسانية التي تهم وتفيد الإنسان، أينما لأن أفكاره أعلت من شأن العقل والمعرفة، ورغم أن هذا العمل السردي يميل للمتخيل التاريخي بإعادة أسماء أعلام بارزة إلى الواجهة، في إطار قصة تكون الحامل المعرفي لفكر امتد عبر العصور السابقة، رواية "بيت من زخرف" نص يتوق إلى المعرفة وينحاز إليها لانحيازه إلى العقل الفاعل والمؤثر في أمور الكون والحياة والحقيقة.

اخترنا لك