"Responsible Statecraft": هل يستطيع ترامب انتظار اتفاق مع إيران؟
لقد حاول مبعوث ترامب الخاص ستيف ويتكوف التخفيف من إحباطاته، لكن "إسرائيل" قد تؤدي دوراً جامحاً.
-
الرئيس الأميركي دونالد ترامب
مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية تنشر مقالاً يناقش ميل ترامب إلى استخدام التصريحات القوية والمتناقضة بشكل مفاجئ في سياسته، ما يجعل من الصعب على القادة الدوليين التعامل مع توجهاته أو التنبؤ بها، ويطرح تساؤلات حول كيفية إدارة السياسة الخارجية الأميركية تحت قيادته، وخصوصاً مع إيران ومستقبل العلاقات بين البلدين.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
بينما يتفاخر دونالد ترامب مراراً وتكراراً بقدرته على إنهاء النزاعات الدولية في غضون أيام، إلّا أنّه يشعر بالإحباط بوضوح من عدم امتثال قادة العالم لإرادته. في الأسبوع الماضي فقط، صرّح بأنه "غاضب" من عدم عرض موسكو صفقةً بشأن أوكرانيا، وأنه قد يفرض "رسوماً جمركية" ثانوية على مبيعات النفط الروسية، كما حذّر من أنه إذا لم "تبرم إيران صفقةً، فسيتم استهدافها".
هذا الهجوم ليس جزءاً من استراتيجية "جنونية" ضخمة، بل هو نتاج حاجة ترامب الواضحة إلى استعراض القوة. تكمن الحيلة في معرفة كيفية مواجهة هذا الاستعراض. إنّ رسم بوتين صورة لترامب، والتي يزعم مبعوثه الشخصي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف أنّ الزعيم الروسي طلب منه تسليمها للرئيس، يرسم مثالاً واضحاً على طبيعة هذا الإطراء الاستراتيجي، وربما حدوده.
لن ينحدر المرشد الأعلى الإيراني أبداً إلى مثل هذه التصرفات الغريبة. مع ذلك، من الممكن أن يُدرك آية الله خامنئي أنّ مفاوضيه قد يستغلون حاجة ترامب المُلحة لإظهار فطنته العالمية للحصول على تنازلات أميركية بشأن الاتفاق النووي. ولأن تقلبات ترامب قد تفتح الأبواب أو تُدمرها بالسرعة نفسها، فإنّ القادة الدوليين، ومستشاريه أنفسهم، يُكافحون باستمرار لإدارة (أو استغلال) نهجٍ تجاه العالم يفتقر إلى أي استراتيجية متماسكة أو حتى تكتيكات.
لذا، ليس من المُستغرب أنه في حين أصرّ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بعد تهديد ترامب الأخير على أنّ "الطريق إلى المفاوضات غير المباشرة لا يزال مفتوحاً"، حذّر قائد في الحرس الثورة من أنّ القوات الأميركية المنتشرة في "عشر قواعد على الأقل حول إيران" "تجلس داخل غرفة زجاجية". في خضمّ صراعه مع سياسته الخارجية المُندفعة، يجد خصوم ترامب صعوبة في فهم خطّه النهائي.
إنّ العلاقات الأميركية الإيرانية مثالٌ على ذلك. في تشرين الثاني/نوفمبر، التقى إيلون ماسك سفير إيران لدى الأمم المتحدة سعيد إيرفاني. وفي تعليقه على هذا اللقاء المفاجئ، صرّح موقع إلكتروني إيراني محافظ قائلاً: "يبدو أنّ ترامب قد قرر فعلاً اتباع نهج مختلف.. ربما، كما قال وزير الخارجية عباس عراقجي، ينتقل من أقصى درجات الضغط إلى أقصى درجات العقلانية". وقد عبّرت هذه الملاحظة عن صدى تصريح عراقجي السابق بأنّ "أقصى درجات العقلانية" "ستؤدي على الأرجح إلى نتيجة مختلفة"، وبدا أنها مُصمّمة لاختبار ترامب.
شجّع قرار ترامب في منتصف كانون الثاني/يناير بإزالة الحماية الأمنية الحكومية لوزير الخارجية السابق مايك بومبيو والممثل الأميركي الخاص السابق لإيران برايان هوك - وكلاهما من أبرز مهندسي سياسة "أقصى درجات الضغط" التي انتهجها ترامب خلال ولايته الأولى ضد إيران - تفاؤل طهران الحذر.
عندما تم فصل هوك على الفور من منصب رفيع في فريق ترامب الانتقالي بعدما اشتكى من "استرضاء" إدارة بايدن لإيران، نقلت صحيفة "طهران تايمز" إعلان ترامب على موقع "تروث سوشيال" الذي جاء فيه: "برايان هوك من مركز ويلسون للعلماء... أنت مطرود!"، فيماا تكهنت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية بأنّ تصرفات ترامب "قد ترسل إشارات إلى إيران بأنه قد يكون على استعداد للتعامل مع طهران دبلوماسياً"، حتى لو كان "من غير الواضح ما إذا كانت هذه التحركات تشير إلى تحول في التكتيكات أو الاستراتيجية أو الموقف".
رسالة ترامب الغامضة إلى السيد خامنئي
تُظهر الدراما التي دارت حول الرسالة التي أرسلها ترامب إلى خامنئي في 5 مارس/آذار أن تحقيق هذا التوازن لن يكون سهلاً. ورغم عدم كشفه عن مضمون الرسالة، فإنّ ترامب ألمح إليها خلال تصريحاته في المكتب البيضاوي في 6 مارس/آذار.
وقال: "أُفضّل التفاوض على اتفاق سلام... لكن يُمكننا إبرام صفقة... بجودة الانتصار العسكري نفسه". وبعد يومين، قال على قناة فوكس نيوز: "كتبت لهم رسالةً أقول فيها إنني آمل أن تُفاوضوا، لأنه إذا اضطررنا للتدخل عسكرياً، فسيكون ذلك أمراً مُريعاً".
ويشير تأكيده أن الولايات المتحدة تسعى إلى اتفاق "بجودة الانتصار العسكري نفسه" إلى أن ترامب يُخبر خامنئي أن الإدارة الأميركية ستُجبر إيران على تفكيك منشآتها النووية الضخمة بالكامل إما بالمحادثات وإما بالقوة الغاشمة.
هذا مطلب لا يُمكن لأي قائد إيراني، بما في ذلك خامنئي، قبوله. وكما أوضح هو وعراقجي، فإنهما لن يقبلا الإنذارات الأميركية. وكما قال خامنئي، فإنّ "المفاوضات" التي تسعى إليها "بعض الحكومات المتسلطة" "لا تهدف إلى حل المشكلات، بل إلى فرض قرارتها". وإذا كان تصويره لنبرة الرسالة التي تتلخص في قبولها أو رفضها صحيحاً، فإنّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" وإيران قد تكون على طريق المواجهة العسكرية.
شراكة ترامب نتنياهو.. بلا حدود؟
في حين أنّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيرحب بهجوم أميركي-إسرائيلي على إيران، فمن اللافت للنظر أنه قبل ستة أسابيع فقط، كانت الصحافة الإسرائيلية تعجّ بتقارير تُشير، كما قال أحد كتاب "هآرتس"، إلى أنّ نتنياهو قد "يُواجه ترامب وجهاً لوجه بشأن ضرب إيران".
لكن كل شيء تغيّر مع تصريح ترامب في الرابع من شباط/فبراير بضرورة مغادرة مليوني نازح فلسطيني غزة. وبينما حاول قادة العالم جاهدين فهم هذا التصريح، أشاد نتنياهو بـ"النهج الثوري والإبداعي" لترامب، مُجادلاً بأنه خلق "احتمالات عديدة"، ويبدو الآن أنّ أحدها كان هجوم "إسرائيل" المُتجدد على غزة. ومن المُرجّح أيضاً أن نتنياهو فسّر كلمات ترامب على أنها إشارة إلى دعم الولايات المتحدة لهجوم مُحتمل على المنشآت النووية الإيرانية.
لكن مثل هذا الهجوم لن يكون سهلاً بالنظر إلى الاضطرابات الداخلية التي أثارها هجوم "إسرائيل" المُتجدد على غزة. في خضمّ الجدل السياسي، أعلن الرئيس إسحاق هرتسوغ أن "آلاف الإسرائيليين يصرخون لمنع اتساع الخلافات والانقسامات، ومن غير المعقول تجاهل هذه الأصوات وعدم السعي إلى توافق".
في خضمّ الجدل الدائر حول إقالة نتنياهو رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) في 20 آذار/مارس، يشير تصريح هرتسوغ إلى أزمة دستورية قد تدفع "إسرائيل" إلى نوع من الحرب الأهلية، لكن حزب الليكود بزعامة نتنياهو، الذي لم يتراجع، أكّد أنّ "هرتسوغ انضم إلى الدولة العميقة'". من الواضح أنّ نتنياهو وحلفاءه يعتقدون أنّ لديه الكثير ليكسبه من محاكاة جنون العظمة لدى ترامب، وبالتالي التلميح إلى أنّه والرئيس الأميركي على وفاق سياسي واستراتيجي.
لا يمكن لنتنياهو أن يثق بتوأمه المتقلب
مع ذلك، على نتنياهو أن يتوخى الحذر، لأنّ الانقسامات التي تُمزّق "إسرائيل" ستزداد مع توسّعها في الحرب على غزة وتصعيدها العمليات العسكرية في لبنان وسوريا. إذا أدّت هذه الأعمال إلى قتل الأسرى الإسرائيليين و/أو إشعال فتيل مواجهة عسكرية على ثلاث جبهات، فإن شبح الفوضى الإقليمية سينعكس سلباً على ترامب. آخر ما يمكنه تقبّله هو الظهور بمظهر "الخاسر".
في الواقع، بدا أن ويتكوف استغل مقابلته مع تاكر كارلسون في 21 آذار/مارس لمساعدة رئيسه. جادل بأنّ استئناف الحرب في غزة يتعارض مع الرأي العام الإسرائيلي. علاوة على ذلك، صرّح بأنّ حماس ليست أيديولوجية، وأنه لا بد أن يكون لها دور سياسي في أي اتفاق ما بعد غزة، وأنّ التنازلات الحقيقية مع حماس وإيران ضرورية للاستقرار الذي يعدّ، وفقاً لويتكوف، الهدف الأول لترامب في الشؤون العالمية. وبدا أنّه تراجع عن كلام ترامب نفسه عندما جادل بأن رسالته إلى خامنئي لم تكن إنذاراً نهائياً، وأنه يريد اتفاقاً نووياً، وأنّ الخيار العسكري ليس "بديلاً جيداً".
أثارت مقابلة ويتكوف عاصفةً في الصحافة الإسرائيلية، وكان ذلك مُحقاً، فهو مبعوثٌ موثوق يُكافح لتحويل تصريحات ترامب إلى ما يُشبه سياسةً مُتماسكة. ومع ذلك، إذا انفجر الشرق الأوسط، أو بدا أنه يتجه نحو ذلك، فقد يُطلق ترامب هجوماً كلامياً آخر، سيدفع القادة ومُحللي السياسات والخبراء في طهران والقدس وواشنطن إلى محاولة فهم دلالاته.
ولكن إذا استطاع ويتكوف تهدئة نوبات غضب رئيسه من دون إحراجه أو استفزازه، فقد يُساعد ترامب على الابتعاد عن حافة الهاوية. سيعتمد هذا الجهد جزئياً على قدرة ترامب على حشد الطاقة العاطفية اللازمة للتعبير عن الدعم اللازم لتسوية حقيقية والحفاظ عليه. ولعلّه، في مُعارضةٍ لمثل هذا الاحتمال، أعلن مستشار الأمن القومي مايك والتز مؤخراً أن لا شيء أقل من "التفكيك الكامل" للبرنامج النووي الإيراني سيكون أمراً مقبولاً، ما قد يضعه في خلافٍ مع ويتكوف.
لا تزال معركة تحريف نوبات ترامب الكلامية مستمرة، ليس في واشنطن فحسب، بل في طهران أيضاً؛ فقبل أيام من تهديد ترامب بقصف إيران، زعمت مصادر حكومية في طهران أنّ رسالة الرئيس "ليست واضحة تماماً، (ولكنها) ليست إنذاراً نهائياً". في الواقع، كان تأكيد عراقجي "إمكانية استمرار المفاوضات غير المباشرة" رسالةً كررها مستشار مقرب آخر من خامنئي.
ومع أنّ الرئيس الإيراني، كما ذُكر سابقاً، كرر هذه الرسالة أيضاً رغم تهديدات ترامب الأخيرة، ففي أعقاب فضيحة دردشة مجموعة "سيغنال"، من غير المرجح أن يخاطر كبار مسؤولي الإدارة بحياتهم في التنافس على التأثير في موقف ترامب من روسيا أو إيران أو أي دولة أخرى. ومثل نظرائهم في طهران والقدس وموسكو وعواصم أخرى، يجب على مستشاريه الأمنيين توخي الحذر في محاولاتهم لإدارة مزاج ترامب الناري واندفاعاته المتهورة.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.