"الغارديان": شعب الروهينغا ينتظر الإبادة بعد محاصرته وإغلاق بنغلاديش حدودها مع ميانمار

حرس الحدود البنغالية يحتجز اللاجئين المسلمين الهاربين من الاضطهاد في ميانمار ويجبرهم على العودة.

0:00
  • غارة جوية شنّها الجيش الميانماري على قرية كياوك ني ماو في بلدة رامري في راخين
    غارة جوية شنّها الجيش الميانماري على قرية كياوك ني ماو في بلدة رامري في راخين

صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر تقريراً تحدّثت فيه عن معاناة شعب الروهينغا في ميانمار الذين يتعرّضون للإبادة الجماعية، والحصار بعد أن أغلقت بنغلاديش حدودها مع ميانمار.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

في الضوء الخافت لمنزله في ولاية أراكان، بميانمار، يتحدّث محمد بصوت أعلى من بكاء طفله الأصغر، ويقول إنّ أطفاله الثلاثة جائعون. ويظهر والدا الرجل، البالغ من العمر 32 عاماً والذي ينتمي إلى مجتمع الروهينغا، متكئَين على الحائط بينما يتحدّث محمد عبر الفيديو. وهو يخشى على سلامته كثيراً لدرجة أنه لا يستخدم كنيته. فولاية راخين باتت تُعدّ مكاناً خطيراً بعد أربع سنوات من الحرب الأهلية شهدتها ميانمار. ويقول: "نحن نكافح من أجل البقاء على قيد الحياة فحسب. فالطعام شحيح، والمياه النظيفة تُعدّ من الكماليّات، وكلّ يوم هو بمثابة معركة لحماية عائلتي من الفظائع التي تتكشّف من حولنا. إلا أنّه بعد الأحداث التي وقعت خلال هذا الشهر ضد شعبنا في بنغلاديش، فقدنا الأمل تماماً". 

لطالما شكّلت الحدود المؤدية إلى مخيمات اللاجئين البائسة في بنغلاديش طريق هروب الروهينغا في ميانمار، وقد استضافت الدولة المجاورة نحو مليون لاجئ منذ عام 2017. إلا أنّه في 5 كانون الثاني/يناير، تم اعتقال 36 لاجئاً من الروهينغا من قبل حرس الحدود البنغالية المسلّح، وإجبارهم على العودة إلى ميانمار. وفي 11 كانون الثاني/يناير، اعتقل حرس الحدود البنغالية ما لا يقل عن 58 لاجئاً من الروهينغا أثناء محاولتهم العبور من ميانمار بمساعدة مهرّبي البشر.

وبعد 4 أيام من الاحتجاز، أنقذت الشرطة البنغالية مجموعة مؤلفة من 30 امرأة وطفلاً من الروهينغا. ولا يزال مصير هؤلاء الأشخاص - الفارين أيضاً من ميانمار - مجهولاً. وأفادت الشرطة البنغالية المحلية لوسائل الإعلام هناك بأنّ وكالات إنفاذ القانون في البلاد "تلقّت تعليمات" بالعمل لمنع "الدخول غير الشرعي للاجئين الروهينغا". وأكد خليل الرحمن، المندوب السامي لمعالجة قضايا الروهينغا المُعيّن من قبل رئيس الحكومة المؤقتة في بنغلاديش محمد يونس، أنّ 58 لاجئاً من الروهينغا المحتجزين في 11 كانون الثاني/يناير ستتمّ إعادتهم أيضاً إلى ميانمار. وقال: "تتمثّل سياستنا في عدم السماح للمقيمين غير الشرعيّين في دولة أجنبية بدخول بنغلاديش. وهذا الأمر ينطبق على الروهينغا المقيمين في ميانمار. واليوم، وبعد أن أصبح جيش أراكان السلطة الفعلية في معظم أنحاء ولاية راخين، فإنّ رسالتنا إليهم واضحة: نحن نطلب منهم التقيّد بالتزاماتهم القانونية الدولية، على غرار ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة". وقد حثّ جيش أراكان على محاولة حماية المدنيين، و"تجنّب أيّ عمل قد يجبرهم على العبور إلى بنغلاديش".

هذا وقد واجهت الروهينغا، وهي أقلّية عرقية مسلمة في ميانمار ذات الأغلبية البوذية، ما وصفته الأمم المتحدة بعنف الإبادة الجماعية. وشهدت المعركة من أجل السيطرة على ولاية راخين بين قوات المجلس العسكري الحاكم في ميانمار وجيش أراكان المتمرّد، احتلال المتمرّدين لجزء كبير من الولاية في الأشهر الأخيرة. وحوصر المدنيون الروهينغا، الذين ما زال نحو 600 ألف منهم في ولاية راخين، وسط الأعمال العدائية. وواجهوا المذابح والنهب والاغتصاب وهجمات الطائرات المسيّرة والتجنيد الإجباري، في الوقت الذي كانوا يكافحون من أجل توفير الغذاء والمأوى.

ووفقاً لتقديرات الحكومة البنغالية، فقد وصل ما لا يقلّ عن 65 ألف لاجئ من الروهينغا إلى بنغلاديش منذ أواخر عام 2023. وتشير تقديرات أخرى إلى أنّ الأعداد قد وصلت إلى 80 ألفاً. وقال هتواي لوين، وهو ناشط من الروهينغا يعيش في بنغلاديش، إنّ اعتقال 58 من الروهينغا شكّل "صدمة للمجتمع الذي لا يزال محاصراً في ميانمار". وأضاف: "أرى أنّ هذا التصرّف هو بمثابة تذكير آخر بالوجود المحفوف بالمخاطر الذي يعيشه شعبي. وهذه التصرّفات تهدّد بالتقاعس عن توفير الحماية لمجموعة مضطهدة وتقوّض الالتزامات الدولية تجاه حقوق اللاجئين وحمايتهم". 

وقد فرّ محمد شفيق، البالغ من العمر 30 عاماً، إلى بنغلادش في حزيران/يونيو الفائت. وقال، من ملجأ قريب له حيث يعيش الآن في مخيم كوكس بازار للاجئين: "اختطفني جيش ميانمار للمرّة الأولى من قريتي في نيسان/أبريل 2024. وأجبروني على القتال إلى جانبهم ضد جيش أراكان من دون أيّ تدريب". 

بعد ذلك، أعلن معسكر الجيش الذي كان شفيق محتجزاً فيه استسلامه أمام جيش أراكان. وقال محمد: "لقد أبقونا في غرفة مغلقة بلا تهوية، وكانوا يضربوننا يومياً. وكانوا يقدّمون لنا الطعام مرة واحدة في اليوم عند الظهر. وقد مات بعض رفاقي من شدّة التعذيب، في حين قاوم آخرون ونجوا. وفي 17 حزيران/يونيو، تمكّنّا من الهروب من غرفتنا عندما تركنا مسؤولو جيش أراكان من دون مراقبة. وهربت إلى بنغلاديش سيراً على الأقدام". 

من جهته، أوضح جون كوينلي، مدير منظّمة "فورتيفاي رايتس" الحقوقية الدولية، أنّ الانتهاكات ضدّ الروهينغا في ميانمار لا تزال تحدث يومياً. وفي هذا السياق، قال: "يتعيّن على الحكومة الجديدة في بنغلاديش التأكّد من أنها لا تتبع السياسات المقيّدة لحكومة الشيخة حسينة السابقة. ويجب على الحكومة المؤقتة التأكّد من أن اللاجئين مرحّب بهم في البلاد، والعمل مع المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لتسجيلهم". 

وحذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تشرين الثاني/نوفمبر من أنّ ولاية راخين تتجه نحو المجاعة، بحيث أدّى القتال إلى تقويض العمل في قطاعي الزراعة والتجارة. وأفادت الأمم المتحدة هذا الشهر بأنّ أكثر من 3.5 ملايين شخص نزحوا بسبب الصراع في ميانمار.

ونتيجة الاعتقالات الأخيرة، تتزايد المخاوف في ميانمار من احتمال إغلاق باب المغادرة. وقال محمد: "عندما سمعت خبر اعتقالهم، انكسر شيء ما بداخلي. لقد فكّرنا في الفرار إلى بنغلاديش أيضاً، معتقدين أننا قد نجد الأمان هناك. ولكن بعد سماع خبر الاعتقالات، قرّرنا أنه قد يكون من الأفضل أن نموت هنا". وتساءل: "كيف يمكننا الهروب من الإبادة الجماعية في مثل هذه الحالة؟ وهل يُعدّ طلب اللجوء جريمة؟ يبدو أنّ العالم قد تخلّى عنا". 

نقلته إلى العربية: زينب منعم.