"فايننشال تايمز": المآسي المتعددة في ميانمار

سنوات من الصراع والحكم العسكري القمعي ستعيق جهود الإغاثة من الزلزال.

0:00
  • أنقاض مبنى منهار في ماندالاي وسط ميانمار من جرّاء الزلزال الذي ضرب البلاد
    أنقاض مبنى منهار في ماندالاي وسط ميانمار من جرّاء الزلزال الذي ضرب البلاد

هيئة تحرير صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تنشر تقريراً تستعرض فيه المآسي التي تعاني منها ميانمار، في الوقت الذي تعرّضت فيه إلى زلزال مدمّر أودى بحياة المئات.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية: 

بدأ حجم الدمار الذي خلّفه زلزال ميانمار القوي يوم الجمعة يتكشّف تدريجياً. فقد قُتل ما لا يقلّ عن 2700 شخص، وفقاً للحكومة العسكرية، وجُرح أكثر من 4500 آخرين، على الرغم من أنّ الأرقام في ازدياد مستمر.

ولم يكن من الممكن أن تأتي هذه المأساة في وقت أسوأ من هذا بالنسبة لهذه الدولة الهشّة. فقد أدت عقود من الحكم العسكري القمعي والتمرّدات الداخلية إلى استنزاف تنميتها.

كما أدّت الحرب الأهلية المتصاعدة منذ استعادة المجلس العسكري للسلطة في انقلاب عام 2021 إلى مقتل الآلاف وتدهور وضع المستشفيات والطرق وإمدادات الكهرباء. وكان من المتوقّع بالفعل أن يحتاج ثلث شعب ميانمار إلى مساعدات إنسانية هذا العام. أما الآن، فتفتقر وكالات الإغاثة إلى الضمانات الأمنية وإمكانية الوصول والمعلومات اللازمة للإغاثة من الكوارث.

كان الزلزال، الأقوى في العالم منذ الزلازل المدمّرة التي ضربت تركيا وسوريا في عام 2023، محسوساً في أماكن بعيدة مثل بانكوك وأماكن أخرى في تايلاند، حيث قتل ما لا يقلّ عن 21 شخصاً. لكنّ ميانمار تلقّت الضربة الأكبر، وهي أقلّ استعداداً بكثير للتعامل مع العواقب.

وقد تأكّلت قدرة الدولة بشكل أكبر منذ أن أطاح الجيش بالحكومة المنتخبة لأونغ سان سو كي في عام 2021. ويُعتقد الآن أنّ المجلس العسكري يسيطر على أقل من نصف البلاد، مع وجود مناطق أخرى تحت سيطرة الجماعات المسلحة العرقية أو قوات المقاومة، أو لا تزال موضع نزاع. وقد اتهم محقّقون معيّنون من قبل الأمم المتحدة الجيش بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد شعبه.

تضررت البنية التحتية، وفقد العديد من العاملين في مجال الصحة والمعلمين الذين انضموا إلى جهود العصيان المدني ضد النظام العسكري وظائفهم.

وحذّر تقرير للأمم المتحدة في كانون الثاني/يناير من اضطرابات اقتصادية وانزلاق الملايين إلى براثن الفقر. وتقول وكالات الإغاثة إنّ الزلزال ألحق أضراراً بمزيد من المستشفيات والطرق السريعة والمطارات. ويأتي هذا التوقيت صعباً للغاية بعد أن خفضت الولايات المتحدة، أكبر مصدر للمساعدات الإنسانية لميانمار العام الماضي، مساعداتها الخارجية.

من المروّع أنه حتى بينما كان رجال الإنقاذ يحاولون انتشال الضحايا من تحت الأنقاض، أفادت التقارير أنّ النظام العسكري واصل قصف المناطق التي يسيطر عليها المتمردون. وأعلنت حكومة الوحدة الوطنية، التي شكّلها مسؤولون منتخبون عزلهم الانقلابيون إلى جانب جماعات أخرى، عن وقف العمليات العسكرية الهجومية لمدة أسبوعين في المناطق المتضررة من الزلزال. وأكدت أنها ستتعاون مع وكالات الإغاثة لتقديم مساعدات طارئة، بما في ذلك للمناطق الخاضعة لسيطرة المجلس العسكري، شريطة توفير ضمانات أمنية.

وجّهت القيادة العسكرية نداءً نادراً للمساعدة، وقد وصلت بالفعل فرق من روسيا والصين والهند ودول أخرى. إلا أنّ الحكومات العسكرية اتُهمت بعد الكوارث الطبيعية السابقة بحجب المساعدات عن المناطق التي تنشط فيها جماعات المقاومة، وهناك بالفعل تقارير إعلامية محلية تفيد بأنّ الجيش رفض بعض قوافل المساعدات أو طالبها بتسليم الإمدادات إلى مكاتب الحكومة الإقليمية بدلاً من إيصالها إلى موقع الكارثة. وكانت أجزاء من منطقة ساغاينغ الشمالية الغربية، مركز الزلزال، معقلاً لمقاومة المجلس العسكري.

ينبغي على العواصم الدولية دعم دعوات الجيش للانضمام إلى وقف إطلاق النار والسماح بوصول آمن وغير مقيّد للعاملين في المجال الإنساني والإمدادات. ويرى جنرالات ميانمار أنّ القيام بذلك أمر منطقي؛ إذ سيتفاقم العداء الشعبي، حتى في المناطق المركزية التي يسيطرون عليها، إذا ما اعتُبر أنهم منعوا وصول المساعدات إلى حيث تشتدّ الحاجة إليها. وسواء قدّم الجيش ضمانات أم لا، سيتعيّن على الوكالات محاولة العمل بشكل عملي مع الجيش ومع الإدارات المتمرّدة المتفرقة.

من المؤمل أن تُعيد مأساة اليوم تركيز الاهتمام الدولي على محنة شعب ميانمار في صراعٍ غالباً ما يُغفل عنه.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.