تركيا و "إسرائيل" في سوريا.. بين الربح والخسارة والتعادل

أيّ محاولة من أنقرة لإقامة قواعد عسكرية مع سوريا تحتاج لموافقة أميركية مباشرة باعتبار أنّ تركيا عضو في الحلف الأطلسي وترامب لن يرحم أحداً قد يختلف معه في موضوع "إسرائيل".

0:00
  •  أيّ محاولة من أنقرة لإقامة قواعد عسكرية مع سوريا تحتاج لموافقة أميركية مباشرة.
    أيّ محاولة من أنقرة لإقامة قواعد عسكرية مع سوريا تحتاج لموافقة أميركية مباشرة.

في 16 كانون الأول/ديسمبر 2024 وقبل أيام من عودته إلى البيت الأبيض وصف ترامب الرئيس إردوغان بأنه "ذكي جداً وأرسل رجاله واستولى على السلطة في دمشق  بطريقة غير لبقة، إذ باتت تركيا التي كانت تحلم بالسيطرة على سوريا منذ مئة سنة تمسك الآن بمفاتيح كلّ الأمور في هذا البلد المهم ..". 

وقبل ذلك بأيام أضاء ترامب الضوء الأخضر لمسلّحي النصرة المصنّفة إرهابيةً في واشنطن بدخول دمشق في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024،  وحتى قبل أن يدخل هو إلى البيت الأبيض ويتوعّد كلّ من يعترض على القصف الإسرائيلي على المواقع العسكرية السورية والذي بدأ في اليوم نفسه الذي بدأ فيه هجوم النصرة على حلب في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 أي يوم دخول اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان حيّز التنفيذ.

ونجحت "إسرائيل" خلال الفترة الماضية في مخطّطاتها لتدمير كلّ المطارات والموانئ والمواقع والمؤسسات العسكرية السورية ومن دون أيّ اعتراض من السلطة الجديدة في دمشق، وسيسعى الرئيس ترامب لإقناعها وإقناع الثنائي جوزاف عون - ونوّاف سلام للتطبيع مع "تل أبيب" وبضغوط من الرياض وأبو ظبي والدوحة التي سيزورها ترامب بداية الشهر المقبل.

وربما لهذا السبب تحدّث وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن "الدور" التركي السلبي في سوريا ولبنان معاً بعد أن خاطب أحمد الشرع بأسمه الحركي أبي محمد الجولاني، وقال له "إنّ سوريا ستدفع ثمناً باهظاً إذا سمحت لقوات معادية لإسرائيل بدخول سوريا" ويقصد بها تركيا الموجودة هناك منذ صيف 2016 بموافقة أميركية - روسية مشتركة.

وجاءت تهديدات كاتس بعد المعلومات التي تحدّثت عن  اتفاقية للدفاع المشترك سيتمّ التوقيع عليها قريباً بعد انتهاء الضباط والخبراء العسكريين الأتراك من إعادة بناء الجيش السوري الجديد وإقامة قواعد جوية وبحرية في القواعد السورية القديمة التي دمّرتها الطائرات الإسرائيلية خلال الأشهر الأربعة الماضية.

كلّ ذلك في الوقت الذي كانت بعض الأوساط العسكرية تتحدّث فيه عن حوار تركي - أميركي لإقامة قواعد مشتركة في أربع مناطق بسوريا بعد الانسحاب الأميركي من شرق الفرات في إطار اتفاق قائد قوات قسد مظلوم عبدي مع الرئيس أحمد الشرع  في دمشق في 10 آذار/مارس الماضي برعاية أميركية - فرنسية ورضى تركي متأخّر.

ويفسّر ذلك الزيارة المفاجئة التي قام بها وزيرا الدفاع والخارجية التركيّان ومعهما رئيس المخابرات إبراهيم كالين إلى دمشق ولقاء الرئيس الشرع الذي يتعرّض لضغوط معقّدة مباشرة وغير مباشرة من أطراف متعددة، وأهمها أميركا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والسعودية والإمارات وقطر حليفة الرئيس إردوغان الذي لم يتصل بالشرع لتهنئته بمناسبة عيد الفطر مع المعلومات التي تتوقّع تغيير وزير الخارجية هاكان فيدان بحجة فشله الأخير في سوريا كما فشل آخرون في مواجهة الانتفاضة الشعبية العارمة بعد اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.      

ودفعت كلّ هذه المعطيات العديد من الأوساط السياسية للرهان على مستقبل المواجهة أو التفاهم المحتمل بين أنقرة و"تل أبيب" لتقرير مصير سوريا، وبات واضحاً أنها ستبقى لفترة طويلة في مهب الرياح الإقليمية والدولية.

ويعرف الجميع أنّ هذه الأطراف لا تريد لهذا البلد المهم استراتيجياً بالنسبة للكيان الصهيوني أن يستقرّ إلا بعد ضمان كلّ مصالح هذا الكيان وإلى الأبد، ولا يدري أحد هل وكيف ومتى تلتقي هذه المصالح مع المصالح  التركية أو تتعارض معها. 

ومع التذكير بحالات المدّ والجزر في العلاقة بين الطرفين خلال السنوات الماضية، وهو ما انتهى بلقاء الرئيس إردوغان مع نتنياهو في 20 أيلول/ سبتمبر 2023 في نيويورك أي قبل طوفان الأقصى، فقد استمرّت أنقرة في تغطية كلّ احتياجات "تل أبيب" طيلة الأشهر الستة الأولى من العدوان الصهيوني على غزة.

ويعرف الجميع أيضاً أنّ باكو تغطي نحو 60% من استهلاك "إسرائيل"  للبترول الذي يصلها بواسطة أنبوب النفط الذي يصل إلى ميناء جيهان جنوب تركيا البلد الشقيق لأذربيجان الحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني وضد إيران. وكانت "تل أبيب" تتحجّج بوجودها العسكري في سوريا عندما كانت تقصف الأهداف العسكرية وهي الآن تتحجّج بالوجود التركي الذي أسقط الأسد وأبعد سوريا عن إيران التي يستهدفها الإعلام الموالي لإردوغان بين الحين والحين لأسباب مختلفة بين السياسة والتاريخ. 

ومع التذكير بالعلاقات التاريخية العميقة بين الدولة العثمانية واليهود منذ فتح إسطنبول عام 1453 حيث كان لليهود دور مهم في هذه الدولة بعد أن تزوّج العديد من سلاطينها وأهمهم سليمان القانوني بنساء يهوديات، فإنّ علاقات أنقرة في العهد الجمهوري مع "تل أبيب" لم تشهد أي حالة من حالات التوتر والمواجهة الخطيرة بين الطرفين  بعد أن كانت تركيا البلد الإسلامي الأول الذي اعترف بالكيان العبري بعد قيامه بعشرة أشهر.

ومن دون أن تؤثّر التصريحات النارية بين إردوغان وكلّ من نتنياهو وبيريز ومن قبله شارون والآخرون على العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين. ويفسّر سماح أنقرة لواشنطن عام 2011  أي بعد "الربيع العربي" الدموي بإنشاء قاعدة عسكرية حسّاسة شرق البلد للتجسّس على إيران.

وتبادل الطرفان العديد من الزيارات على مستويات عليا وكانت آخرها زيارة الرئيس هرتسوغ إلى أنقرة في 9 آذار/مارس 2022 على أن تلحق بها زيارة لنتنياهو  لولا طوفان الأقصى. 

وفي جميع الحالات وأياً كانت تهديدات الكيان الصهيوني لدمشق وبعد أن دمّر البنية العسكرية برمّتها، فالجميع يعرف أنّ أيّ محاولة من أنقرة لإقامة قواعد عسكرية مع سوريا تحتاج لموافقة أميركية مباشرة باعتبار أنّ تركيا عضو في الحلف الأطلسي وترامب لن يرحم أحداً قد يختلف معه في موضوع "إسرائيل". ويعرف الجميع أنها الآن وإلى أن تركّع كلّ الدول العربية لا ولن تفكّر بأيّ مواجهة مباشرة مع تركيا المجاورة لسوريا والعراق وإيران بامتداداتها في القوقاز وآسيا الوسطى والبلقان والآن في أفريقيا.

ويراهن البعض على تنافس الطرفين فيها بتراجع الدورين الصيني والروسي وغياب تامّ للدور العربي المتنافس والمتصارع هناك أيضاً كما هو الحال في الصومال وليبيا والسودان وغيره. فالهمّ الوحيد للأنظمة العربية هو عداء إيران وحلفائها في لبنان واليمن وفلسطين خدمة لحسابات الكيان الصهيوني الذي يهدّد ويتوعّد تركيا في سوريا، ولكن يتفق وإياها مبدئياً في الكثير من الحسابات ليس فقط في سوريا بل في المنطقة العربية برمّتها، والفضل في كلّ ذلك لأنظمة التآمر الخليجية والتي تنتظر تعليمات وأوامر ترامب حالها حال معظم الأنظمة في المنطقة!