"إضراب ثقافي".. ضرورة الثورة في عالم الفن والمتاحف
يطالب كتاب رايكوفيتش المتاحف بعدم نسيان غرضها كمؤسسات تخدم الجمهور، وألا تكرِّس ذاك الشعور بأن المؤسسات الثقافية متباينة تبايناً جذرياً عن الفئات المجتمعية المُهمَّشة، سياسياً وعنصرياً.
-
كتاب "إضراب ثقافي" للورا رايكوفيتش
"إننا نعيش في عصر التظاهرات والاحتجاجات، إذ طغت على المشهد الحركات الراديكالية المتطرفة، بدءاً بالسجون وإلغاء الديون، إلى احتجاجات حركة التمرد ضد الانقراض على النشاطات المناخية لبعض الدول، وتغلغلت ضمن الخطاب السائد في مختلف أنحاء العالم. ونالت الثقافة والفن، بالضرورة، نصيبهما أيضاً. لا ريب في أن للفن إمكانات هائلة لتغيير المجتمع، إلا أن المؤسسات، التي يعتمد عليها، تساعد على إبقاء أنظمة السلطة قائمة. وباتت المتاحف مستودعات للهيمنة الثقافية، ومرايا لآفات المجتمع، بدءاً بفجوات الثروة الهائلة ومورّثات الاستعمار الأخرى، وصولاً إلى استبعاد الفئات المهمّشة تاريخياً. إن المتاحف والمراكز الثقافية هي جزء من الأنظمة التي تأمل تلك الاحتجاجات تغييرها وإزالتها من الوجود. وأعتقد أن التغيير والتجديد لا يجعلان المتاحف أفضل لعدد كبير من الناس فحسب، بل يرسمان أيضاً طرائق لإحداث التغيير في المجتمع ككل". بهذه المقدمة توصِّف مديرة متحف كوينز، لورا رايكوفيتش، واقع حال المتاحف في العصر الحديث، ضمن كتابها "إضراب ثقافي.. الفن والمتاحف في عصر التظاهر والاحتجاج"، والصادر عن دار نينوى للدراسات والنشر، ترجمة محمود عيسى ونوار عبدالله.
تنطلق رايكوفيتش من ضرورة إعادة النظر في هيكلية عمل المتاحف ورؤاها وأهدافها، انطلاقاً من أن تلك الصروح ما زالت تعاني الاستعمار الثقافي، في ظل تماهيها مع استقطابات السياسات العامة لأميركا. وتالياً، فإنها تمارس مثلها التمييز العنصري والإقصاء لكثير من فئات المجتمع المهمشة، فضلاً عن تعاليها على عامة الشعب، متجاهلةً دورها الأساسي في خدمة الجمهور وإذكاء معرفته بمقتنياتها والحقب التاريخية التي تدور في فلكها. لكن، ما دام تمويل المتاحف غير نظيف، ومن يرعاها له نظرته العنصرية تجاه الملوَّنين والمهجرين، ويهدد دائماً بإلغاء الميزانيات للمنشآت الثقافية وتلك المتعلقة بالفنون، فإن رضوخ المتاحف هو تحصيل حاصل لتلك الرؤى التي تستبيح حقوق جمهور المتاحف وحقوق العاملين فيها، تحت ذريعة "المعرفة الأفضل" لتلك التحف. وهكذا يستمر المنطق الاستعماري لتلك الصروح المهمة ما دام "السارق يمتلك السلطة"، والقول لمؤلفة الكتاب.
وتشرح رايكوفيتش، التي تولت منصب المدير التنفيذي لمتحف كوينز، مدة ثلاثة أعوام، ابتداءً من عام 2015، وهو أكبر متحف في إحدى ضواحي مدينة نيويورك، ويعيش فيها نحو ثلاثين في المئة من سكان الولاية من المهاجرين، أنه، بعد فترة وجيزة، انتُخِب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة. وبحلول عام 2017 أعلن نيته التخلص التدريجي من سياسات العمل المؤجل للقادمين في مرحلة الطفولة (DACA)، والتي كان يعتمد عليها خمسة في المئة من موظفي متحف كوينز. وفي العام الأول في منصبه، بات يهدد بإلغاء ميزانية الصندوق الوطني للفنون. وفي مواجهة الاستقطاب السياسي، سعت رايكوفيتش لأن ينضم متحف كوينز إلى مؤسسات فنية أخرى، في إعلان نفسه ملاذاً آمناً، لكنها قوبلت بالحجة القائلة إن المتحف، كونه مؤسسة عامة، يجب أن يتجنب أي إجراء يمكن عدّه انحيازاً إلى أي طرف. حينها، طغى التزام الحياد الظاهري للمتحف على الالتزام تجاه مجتمعه وموظفيه. وواجهت رايكوفيتش معارَضة أخرى من جانب المجلس في أعقاب قرار عدم السماح بتأجير مساحة في المتحف لخطاب نائب الرئيس آنذاك، مايك بنس، الأمر الذي دفعها إلى ترك منصبها في أوائل عام 2018.
يطالب كتاب رايكوفيتش المتاحف بعدم نسيان غرضها كمؤسسات تخدم الجمهور، وألا تكرِّس ذاك الشعور بأن المؤسسات الثقافية متباينة تبايناً جذرياً عن الفئات المجتمعية المُهمَّشة، سياسياً وعنصرياً، والتي لا تُعرَّف على أن المنتسبين إليها هم من ذوي البشرة البيضاء، أو الطبقة المتوسطة، أو من الحاصلين على تعليم جامعي، أو من رواد المتاحف الدائمين. وبالتالي، ثمة ضرورة لإعادة النظر في المتحف كمشروع جماعي، عليه أن يستوعب مجموعة أوسع من الأفكار بشأن ماهية الفن، وكيف يجري تقديمه والتفاعل معه، بحيث تصبح المتاحف مساحات للخيال الثقافي الجماعي، الذي يوفر أرضية تدريب للاستماع والتحدث عن الحقائق المعاصرة، وإعادة تقويم الطرائق التي نفهم عبرها التاريخ. طبعاً، لن يتحقّق ذلك من دون التوصل إلى نوع من الاستقلال المالي، أو على الأقل تأمين تمويل غير مشبوه، وهو ما يستتبع تفكيك أنظمة الاضطهاد المسيطرة على المتاحف، بحيث لا تكون تلك المنشآت الثقافية محكومة من جانب الهياكل المشبوهة ذاتها، وكل ذلك يحتاج إلى إضراب ثقافي حقيقي، كما حدث مثلاً في متحف ويتني بعد أن عَلِمَ كثيرون بأن وارن ب. كيندرز، نائب رئيس مجلس أمنائه، يمتلك مجموعة سفاريلاند، التي تصنع الغاز المسيل للدموع والمستخدَم ضد طالبي اللجوء عند حدود تيخوانا، كما استخدم أيضاً في ستاندينغ روك، وفي فرغسون، وفي غزة، أي أن كيندرز كان يستغل منصبه ليخفي علاقته بإرهاب الدولة، وكي يُبيِّض سمعته من خلال عضويته في مجلس إدارة متحف ويتني، لكن الثورة ضده دفعته، في النهاية، إلى الاستقالة.
ومثل ذلك ما حدث من احتجاج على قبول عدد من المتاحف الدولية الكبرى أموال عائلة ساكلر، كهبات ومساعدات، في حين أن مصدرها هو التصنيع والتوزيع للمواد الأفيونية المسببة للإدمان بشدة. لذلك، تؤكد رايكوفيتش أن على المتاحف رفض أن تكون غسّالة للأموال الفاسدة، بل يجب أن تظل مواقع للنضال، ولو رأى البعض في تلك الإضرابات والاحتجاجات تهديداً لمستقبل التمويل الثقافي كلياً، بينما ترى مؤلفة الكتاب أنها تَعُدّ ذلك "مبشراً بفسحات لتخيلاتنا في تحديد نظام بيئي مغاير لدعم ما نود أن نراه يتجسّد في مساحاتنا الثقافية، ولاسيما أن المواجهة مع طرائق تمويل الفضاءات الثقافية يُعَدّ من بين الجوانب الشائكة للتراجع عن الأطر الأيديولوجية غير العادلة، والتي تترسخ في المتاحف. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن علاقات القوة المضمنة فيها – وخصوصاً في الولايات المتحدة - تعكس الفجوة الهائلة في الثروة والامتياز بين أقلية حصرية متزايدة وأغلبية عظمى من المجتمع".
كما أن كتاب "إضراب ثقافي" يعزز فكرة، مفادها أن الحياد في الفضاء المتحفي غير ممكن، ولا ينبغي له أن يوجد، فـ"الحياد هو حجاب يُخفي الطرائق التي تُمارس بها السلطة وتُحافظ عليها، وهو ما يجعل عملها غير مرئي". لذلك، تطالب رايكوفيتش بضرورة الاعتراف بأنه، من خلال تغيير الطرائق التي تعمل بها الثقافة، يمكن أن يتغير المجتمع أيضاً، كما "يجب إيجاد سبل لتوظيف المؤسسات الثقافية في تعزيز أشكال تحديد الهوية السياسية، وجعل النزاعات القائمة مثمرة. ومن خلال تنظيم المواجهة بين المواقف المتضاربة، يمكن للمتاحف والمؤسسات الفنية أن تساهم مساهمة حاسمة في انتشار الفضاءات العامة الجديدة المفتوحة لأشكال المشاركة المناهضة حيث يمكن، مرة أخرى، التخيُّل والرعاية للبدائل الديمقراطية الراديكالية لليبرالية الجديدة، ويتم ذلك من خلال جعل المتاحف مساحة ترحيبية لجمهور متنوع يتفاعل معها، وإذا دعت الحاجة، إعادة اختراع ذاك الجمهور".
وتختم رايكوفيتش كتابها بالقول: "تُعَدّ المتاحف وإلغاء أسطورة حيادها خطوة ضرورية في إنشاء مساحة بديلة يمكن للثقافة أن تزدهر فيها؛ ثقافة تعتمد بدرجة أقل على القمع والإقصاء لإعلان تميزها، وبدرجة أكبر على الرعاية والكرم والعمل لخلق فضاءات للتأمل والتواصل، وربما حتى للثورة".