ما هي ملامح المأسسة وأشكال التنظيم في الفنون السورية؟

ما هي الأدوار المنوطة بالثقافة في رصدها المتغيرات الهائلة في حياة السوريين؟ وماذا يمتلك العمل المؤسساتي من أجل مواكبة تلك المتغيرات للحفاظ على نوع من الاستقلالية، بعيداً من الرقابات الفنية والحكومية؟

تشبه الكيانات الثقافية في سوريا وضع البلد عموماً. فهي خاضعة لسياقاته المتعددة، بعيداً من أي شكل من أشكال الاستقرار، ولذلك فإن الحديث عن المأسسة وأشكال التنظيم الثقافي يوجب التوغل أكثر في المجتمع السوري وآليات تفكير الأفراد والجماعات فيه، وما مدى فهم الذات في ظل العلاقة مع الآخر؟ وما هي الأدوار المنوطة بالثقافة في رصدها المتغيرات الهائلة في حياة السوريين؟ وماذا يمتلك العمل المؤسساتي من أجل مواكبة تلك المتغيرات وتجاوزها للحفاظ على نوع من الاستقلالية، بعيداً من الرقابات الفنية والحكومية؟ وتالياً، إلى أي مدى أنتجت التجمعات الثقافية بنى وأطر عمل متجددة وغير تقليدية، استطاعت بواسطتها أن تربط بين ظروفها وأشكال تنظيمها والمحتوى الذي تنتجه. 

كل هذه الأسئلة تشكل محاور هذا التحقيق الذي نسعى من خلاله الإحاطة بأسئلة "المأسسة وأشكال التنظيم.. التنقيب في أدوار الفنون في السياق السوري"، التي طرحتها ساندرا قسطون، ممثلة مؤسسة "اتجاهات" في جلسة نقاش تمت في "دار فارحي" بدمشق القديمة، وحاورت من خلالها كلاً من الكاتبة والمخرجة المسرحية والمديرة الفنية لمشروع مراية المسرحي، آنا عكاش، والممثلة والفنانة الحركية ومؤسسة فرقة "ليش"، نورا مراد، ومنتجة الأفلام الوثائقية والمديرة التنفيذية لشركة "مختبر ستوريز فيلم"، ساشا أيوب.

وقالت نورا مراد: "أسست فرقة ليش عام 1999، وحينها لم يكن هناك أي مسرح حركي في سوريا، ولا خريجين من قسم الرقص، لذا ركزت أول 5 سنوات على ورشات وتدريب الراقصين والتجريب مع الجمهور، وفي عام 2005 بات لدينا فريق وأسسنا طريقة عمل مبنية على الأسئلة من مثل: أين نحن كمجتمع اليوم؟ وماذا نريد أن نقول؟ وكيف نقوله لاسيما في إطار العلاقة بيني كمصممة حركة مع المؤدي الذي لديه حصة تفوق الخمسين في المئة من التصميم لأنني أعتمد على لغة جسده، وذلك وصولاً إلى العام 2006 حيث بدأنا بمشروع "هويات" وهو بحث في الطقوس الاجتماعية والدينية الخاصة ببلاد الشام، وفيه قدمنا عرضين وأبحاثاً نظرية وكنا نحضر لكتاب، لكن للأسف توقف في عام 2011، وكذلك الفرقة كلها توقفت لخمس سنوات، إذ لم يكن من الممكن أن نفكر في أي مشروع فني وهناك دم في الشارع، جزء كبير من الفريق تفرغ للعمل الإغاثي". 

وأضافت "في العام 2015، عدنا بورشة بين راقصين وممثلين وقدمنا عرضاً في مطعم بباب توما، ثم عرض "بقاء" عام 2016 و"معانقات" 2018 وهذان العرضان غيَّرا تماماً التوجه والشكل والموضوع والبحث الذي كنا نعمل به في السابق، ثم جاءت "كورونا" فقررنا أن نبدأ العمل "أونلاين" تدريباً وعروضاً، وكنا نجهز ذلك عبر سنوات إلى يوم سقوط النظام، حينها كان القرار بالعودة إلى المسارح، واليوم نسعى لنفهم ونكتشف ما يحصل في البلد، وما رأينا فيه وكيف سنساهم في تعزيز ذاك الرأي فنياً". 

مقاومة الفوضى 

  • الممثلة والفنانة الحركية ومؤسسة فرقة
    الممثلة والفنانة الحركية ومؤسسة فرقة "ليش" نورا مراد

وفي حديثها عن الاستقلالية والوصاية الثقافية أوضحت مراد أن الجسد كبصمة الإصبع، وهو ليس فقط شكلاً خارجياً، بل ارتباط التعبير الحركي بالتفكير والجسد العاطفي وكل العملية الداخلية للراقص. بمعنى أن الاستقلالية الفنية موجودة في المسرح الحركي كنوع، وكانت متوفرة في عملنا قبل العام 2011، لأننا مثلاً في 2003 قررنا الخروج خارج المسارح، وكان الهدف الأساسي بناء علاقة مع المتفرج وأن نشعره أنه شريك حقيقي في فضاء واحد، لذا كانت عروضنا بمنزلة رحلة تشاركية نساهم فيها مع الجمهور الفهم والعاطفة، وفي عام 2016 عدنا إلى المسرح ليس لأننا فقدنا الصلة مع المتفرج، بل لأنه لم يكن هناك إمكانية للعمل في الأماكن البديلة وسط الوضع الأمني المتوتر.

وتابعت مراد: "الاستقلالية كلمة يعاد تعريفها دائماً، فهل تعني أنني مستقل مادياً؟ أم أنني أتحدث بلا رقابة؟ أم لدي رأي مختلف بما يحصل حولي من نتاجات فنية وأسعى لإبداء هذا الرأي بعملي لأخلق تنوعاً فنياً أكبر؟ أنا أتيت من جيل كان أهلي يعملون في المؤسسات الثقافية، وجزء من عملهم في المعارض الحكومية هو سعيهم للإصلاح من داخل المؤسسة، أما جيلي فيرى أن أهالينا مخطئون ويحاربون طواحين الهواء، فقررنا من البداية أن نتخلى عن العمل مع تلك المؤسسات لأننا مستقلون. أما اليوم، فتعنيني جداً وزارة الثقافة وأفكر فيها حتى قبل فرقة "ليش"، لأنه من دونها لا وجود للفرقة ولا للفن، مع العلم أننا لم نكن نحارب الوزارة كمؤسسة، وإنما نتجنب التعامل معها فقط".

وأضافت: "في تصوري الشخصي ثمة خطوة أولى صعبة جداً، وهي أن نعترف أننا لا نعرف ما معنى إعادة البناء. كما أن الاتكاء على خبراتنا السابقة لن يقدم شيئاً مهماً. أعتقد أنه أمامنا كعاملين بالثقافة تحدٍ كبير هو مع أنفسنا: كم نعرف حقيقة ماذا يجب أن نعمل؟ ومدى واقعية رؤيتنا في ظل الخوف أو الاستعجال؟ برأيي هذه فوضى، ومقاومتها صعبة جداً، إذ ثمة طاقات كبيرة لكن هناك كم هائل من الأخطاء لم يتم التوقف عندها أو الاستفادة منها".

أما في العلاقة مع المؤسسة الثقافية فتقول مؤسِّسة فرقة "ليش": "بالطبع لدينا ملاحظات عليها، وهناك جهد بذل في (المعهد العالي للفنون المسرحية) خلال فترة الثورة هو جهد جبار لمدرسين وأساتذة لم يكتفوا بتدريس الطلاب، بل حافظوا على السلم الأهلي حقيقةً، كنا نجرب المحافظة على تلك الثقافة، واليوم نخشى أن يكون النظام سقط لكن بقيت ثقافته فينا من دون أن نعرف. أنا عمري الآن 52 سنة وواجبي كمواطنة سورية الانتباه كم بقي فيَّ من ثقافة النظام، وما مقدار الجرأة لدي  لأغيره. الموضوع ليس ذا صلة فقط بالمؤسسات، وإنما بإعادة البناء عموماً، والمسألة لا علاقة لها بإعادة هيكلة وزارة الثقافة والمؤسسات وآليات العمل، فهذا سهل، لكن الخطورة أنني أرى أن أغلب الدوافع للعمل هي ما دون وطنية، يحكمها الحماس فقط، الخوف فقط، من دون وعي لما يحصل على الأرض، وماذا بإمكاننا أن نفعل، وكيف يمكننا أن نكسر قلة الثقة بيننا وبين النظام الجديد في ظل المخاوف والتباعد المتبادل بيننا، لكن الثقة تحتاج إلى أن نقترب من بعض، لذا شعاري في هذه المرحلة هي إعادة التقييم والتعلم من جديد". 

هيمنة ثقافية.. وسرديات عن غزة وسوريا

  • الكاتبة والمخرجة آنا عكاش
    الكاتبة والمخرجة آنا عكاش

من جهتها، قالت الكاتبة والمخرجة، آنا عكاش: "أسست مشروع "مراية" المسرحي عام 2017، لرغبتي في أن ننتهي من هيمنة المؤسسات الثقافية الرسمية ونتحرك ضمن هامش خاص. ويعتمد المشروع بفرعيه في دمشق وطرطوس على مختبرات تجريبية وورشات تدريبية في المسرح للخروج بصيغة نهائية، ونعمل من خلاله على توثيق ذاكرة السوريين وتوثيق التراث الشفوي، وفيه قسم يستخدم المسرح في الدعم النفسي الاجتماعي، ومعظم أعمالنا يعتمد على الميزانية الصغيرة، لأننا قررنا أن نكون مستقلين. لذا نذهب في اتجاه مشاريع منخفضة التكلفة إما على شكل قراءات مسرحية، أو ورشات، وعدم وجود ميزانية دفعني لأن أكون أحياناً "صولو بيرفورمر" أي أنني أؤدي العرض منفردةً وهذا ما حصل في مصر وبلغاريا". 

أما عن مفهوم الشراكات والحوار المتبادل فأوضحت عكاش أن انطلاقة مشروعها كان بشراكة، وكل ما قدمه "مراية" له علاقة بشراكة معينة ما عدا عرضين أو ثلاثة، فالشراكات تعطي قوة، وتعطينا مساحة لنتعلم ونعلِّم، كل شخص لديه أمور ناقصة يكملها بشريكه، وأيضاً يكمل النقص في الشريك، سواء على صعيد الخبرة أو المعلومة أو المكان.

وتضيف: "في سوريا اشتغلنا مع جمعيات أهلية لتدريب كوادرهم على آليات الدعم عن طريق المسرح مثل: فضا الفنية المجتمعية، أنيس سعادة، وتنظيم الأسرة، ولنا في دمشق شركاء هم: دار أطلس، صندوق الحكايا، وغاليري زوايا، وتوسعت شراكاتنا خارج سوريا، ففي مصر ثمة تجربتان مع حسن الجريتلي، وتجربة في بلغاريا، ورابطة أخوّة مع ميونيخ حيث دعمونا بورشة أونلاين مع لواء يازجي حول الكتابة المسرحية الجديدة، واستطعنا الحصول على تمويل لعرض قراءات مسرحية في جمعية النهضة الفنية". 

وفي ما يتعلق بالأولويات في المرحلة القادمة، قالت عكاش: "نحن نعمل خطوة بخطوة، فوضع منطقتنا عموماً ليس بخير. لذا، نحن في مشروع "مراية" عندما بدأت الحرب على لبنان كان لدينا مشروع وصلنا فيه إلى مرحلة لم نستطع إكماله بسبب الحرب، نحن أفراد معنيون بما يحصل عند جيراننا، وفلسطين بالقلب دائماً، لذا قمنا العام الماضي بقراءة مونولوجات غزة وهو نشاط أعلنه مسرح "عشتار" في فلسطين عبر دعوة عالمية لقراءة المونولوجات واستجبنا لهم مرتين، وكانت "مراية" الوحيد الذي استجاب على مدى عامين. وفي فترة الحرب على غزة كنا نحضر لتسجيل المونولوجات كبودكاست سنطلقه قريباً، وبعد أيام ثمة قراءة جديدة للمونولوجات، فصحيح أننا عشنا الدمار والموت على مدى 14 عاماً، لكن سنة وثلاثة أشهر والناس في غزة يموتون بطريقة مأساوية، وبحجم دمار ممنهج وقاسٍ جداً يجعلنا نقف معهم ولو عبر قراءات. كما أننا قمنا بدعوة جديدة للكتابة عن السرديات السورية التي حصلت خلال 14 عاماً، لنخرجها عن طريق البودكاست أو من خلال قراءة مسرحية". 

مساحة للحوار والتفكير كما نحب

  • منتجة الأفلام الوثائقية ساشا أيوب
    منتجة الأفلام الوثائقية ساشا أيوب

أما منتجة الأفلام الوثائقية، ساشا أيوب، فقالت: "نحن شركة إنتاج سينمائي تم ترخيصها عام 2010، وعملنا بشكل أساسي على مشاريع ثقافية بدأت بورشة مع اليافعين لصناعة الأفلام الوثائقية، وبعدها توقف العمل بسبب ظروف 2011. عدنا عام 2019 عبر الدورة الأولى من مختبر "ستوريز فيلم" لتطوير الأفلام الوثائقية وإنتاجها، واستطعنا إنتاج 10 أفلام من نتاجات الورشة، وبعدها أقمنا 3 دورات وكان هناك صعوبات باللوجيستيات والتمويل لذلك لم ننتج أفلاماً، بل اتجهنا إلى تطوير ملفات الأفلام للمخرجين الشباب من خلال نقاشات مع مخرجين ومنتجين من أصحاب الخبرة، وبعض من تلك الأفلام استطاع أن يشق طريقا باتجاه التمويل، وهو اليوم في طور الإنتاج. وما زلنا نحاول خلق مشاريع جديدة بعدما خرجنا إلى الضوء، وبات بإمكاننا أن نعمل بشكل أوسع من دون مخاوف. أي أن تركيزنا كان على إيجاد مساحة للحوار أكثر من الإنتاج، وخلق مجتمع داعم، كنوع من استدامة المهنة، وتبادل الأفكار بحرية، خاصةً أننا لسنا جهة تعليمية، أو معهداً، إذ لم تكن لدينا الرغبة للخضوع لمحددات وشروط تفرضها مثلاً وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. لذلك، كان الأنسب الترخيص كشركة إنتاج وعندما نُسأل عن نشاطاتنا كنا نقول إننا ندرب الفريق الخاص بنا. فكل عملنا كان تحت القانون لكننا كنا نجد مخارج ونرسم هوامش ونفكر معاً بحيث نستطيع توسيع حدودنا قليلاً. الآن، كأننا خلقنا من جديد، ولكثرة الاحتمالات لم نعد نعرف ماذا نعمل. الآن، نخطط لعرض أفلام الثورة في أماكن كنا محرومين من استخدامها، وهناك دورة جديدة للمختبر". 

وعن أسلوب العمل في المختبر توضح أيوب بأنه كان صعباً وفيه معارك على مستويات مختلفة، مثلاً "عندما اشتغلنا على أفلام الشباب كنا ندعم حريتهم المطلقة بالتفكير بشكل الفيلم الذي يتخيلونه، كيف يعالجونه، وكيف يضعون وجهة نظرهم فيه من دون التفكير في العقبات الرقابية أو الإنتاجية، لكنهم عندما نزلوا إلى الأرض واشتبكوا بالواقع، وتوصيات الرقابة، نشأ لديهم إحساس بالإحباط، لكنه جزء من العملية التي يخوض فيها المرء معركة إلا أنه يستطيع أن يأخذ مكانه فيها في النهاية. وخلال نقاشاتنا مع المخرجين والمنتجين شعرنا أنه يجب أن نحافظ على هذه الطريقة، و أن لا  نمنع أنفسنا من التفكير كما نحب، فبإمكاني أن أحلم وأكتب السيناريو الذي أحلم به، وعندما يحين وقت تنفيذه أفكر بماذا أعمل. أي أننا كمؤسسة كنا نوحي للمشاركين في المختبر بأننا لسنا ضمن معركة، فلم يكن ذلك هدفنا، وهذا أوصلنا إلى مكان جيد نسبياً في ما يتعلق بالمساحات المتاحة لنا للتفكير والسعي لتوسيع الهوامش، وأن نعمل بما نحب لا أن نُكلَّف تكليفاً من قبل جهة ما، وأيضاً أن نعطي مساحة للفنان ليقول ما يريد وأن تكون وجهة نظره موجودة بالفيلم وأن يكون الفيلم نابعاً من دوافع المخرج الذاتية حتى يحمل السردية المتعلقة بالشباب والصبايا الذين لم يأخذوا فرصتهم، لا سيما أن الفرص كانت تذهب لمن يخدم إيديولوجيا النظام في مؤسسة السينما وغيرها مع بعض الاستثناءات القليلة". 

وتشير المديرة التنفيذية لشركة "مختبر ستوريز فيلم"، إلى أن "المختبر تعاون مع منتجين ومنتجات سوريين مثل غسان سلهب ولواء يازجي وآخرين من لبنان مثل رانية الرافعي وجنان داغر ومحمد سويد الذين كان لديهم حماس لمساعدتنا ببناء المختبر. كما دفعتنا لقاءاتنا معهم لنفكر خارج الصندوق، فعندما يكون هناك من هو خارج المأساة ويحكي في الفن فإنه يفتح الأفق قليلاً، وهذا مهم جداً حتى استطعنا أن نؤسس مجتمعاً صغيراً ممن يحبون الفيلم الوثائقي وخضعوا للورشات وبتنا نتشارك الهموم ذاتها ونتحدث في مشاريعنا المستقبلية والمعدات ونتبادل الخبرات وغيرها".

أما حول تحديات اللحظة السورية الراهنة فترى أيوب أن "علينا ألا نعيد ما كان يحصل معنا على مدى سنوات بأن نجتمع فقط مع من يشبهنا. إذ يتوجب علينا أن نوسع الدائرة ونقضي على الانقسامات، التي كانت بين مؤيد ومعارض، والآن تطورت إلى "ثورجي" و"إكس ثورجي" و"مكوّع"، قبل أن توضح: "نحن بحاجة إلى عمل وآلية لنصل إلى قاعدة أوسع، وبالضرورة ينبغي لنا العمل على مستوى المؤسسات الوطنية وأن نقول ما نريده منها وكيف نطمح أن يكون شكل الحياة الثقافية في سوريا المستقبل، بمعنى أن  هناك حديثاً ضرورياً عن المجتمع السوري كاملاً، وهو أولوية، تتقاطع مع استعادة المساحات وفرض الوجود".

اخترنا لك