بابا الفاتيكان للبنانيين: أنتم شعب يقف أمام الصعاب ويولد دائماً من جديد

البابا لاوون الرابع عشر يتحدث في خطاب ألقاه في القصر الرئاسي في بعبدا، عن أهمية بناء السلام في سياق حيّ وعملي يكون قوامه الروابط التاريخية والجغرافية، ويدعو اللبنانيين إلى التحلي بـ"شجاعة" البقاء في بلدهم.

0:00
  • البابا لاوون الرابع عشر خلال إلقاء خطاب بحضور الرئيس جوزف عون والسلطات والمجتمع المدني والسلك الدبلوماسي في القصر الرئاسي في بعبدا - 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 (أ ف ب)
    البابا خلال إلقاء خطاب بحضور الرئيس جوزاف عون في القصر الرئاسي في بعبدا (أ ف ب)

دعا البابا لاوون الرابع عشر اللبنانيين إلى التحلي بـ"شجاعة" البقاء في بلدهم، الغارق في أزماته الاقتصادية والسياسية التي ضاعفت هجرة الشباب، لا سيما المسيحيين منهم، مشدداً على أهمية "المصالحة" من أجل مستقبل مشترك.

ووصل الحبر الأعظم (70 عاماً) الأحد إلى بيروت، آتياً من إسطنبول، في زيارة تستمر 48 ساعة، حاملاً رسالة سلام إلى البلد الصغير الذي لطالما اعتُبر نموذجاً للتنوع الديني في الشرق الأوسط.

وفي خطاب ألقاه في القصر الرئاسي، بحضور مسؤولين لبنانيين ودبلوماسيين وممثلين عن المجتمع المدني، شدّد الحبر الأعظم على أهمية "السلام" الداخلي بين اللبنانيين، وهي كلمة كررها 27 مرة في خطابه، من دون التطرق إلى الأوضاع الإقليمية والدولية أو الحرب الأخيرة التي شنّتها "إسرائيل"، التي تواصل شنّ ضربات دامية على لبنان.

وقال البابا: "هناك لحظات يكون فيها الهروب أسهل، أو ببساطة، يكون الذهاب إلى مكان آخر أفضل، في حين يتطلب البقاء أو العودة إلى الوطن شجاعة وبصيرة".

وتابع: "نعلم أنّ عدم الاستقرار والعنف والفقر ومخاطر كثيرة أخرى هنا، كما في أماكن أخرى من العالم، تسبب نزيفاً في الشباب والعائلات الذين يبحثون عن مستقبل في مكان آخر، مع شعور عميق بالألم لمغادرة الوطن".

ودعا البابا اللبنانيين إلى اتباع "طريق المصالحة الشاق"، موضحاً أنّ ثمّة "جراحاً شخصية وجماعية تتطلب سنوات طويلة، وأحياناً أجيالاً كاملة لكي تلتئم في حال لم تعالج فوراً".

وأضاف: "إن لم تُعالج، وإن لم نعمل على شفاء الذاكرة، وعلى التقارب بين من تعرضوا للإساءة والظلم، فمن الصعب السير نحو السلام".

ورأى البابا أنّه "لا توجد مصالحة دائمة من دون الانفتاح على مستقبل يغلب فيه الخير على الشر"، وأنّ "فاعلي السلام لا يهربون، بل يجرؤون على البقاء حتى لو كلفهم ذلك بعض التضحية". 

وأوضح أنّ السلام "لا يمكن أن ينمو إلاّ في سياق حي وعملي يكون قوامه الروابط التاريخية والجغرافية"، مشيراً إلى أنّ لبنان "بلد متنوع ويتألف من جماعات تجمعها لغة واحدة هي لغة الرجاء التي سمحت للكل بالبدء من جديد". 

كما لفت إلى أنّ السلام هنا هو "أمنية ودعوة وهو عطية وورشة عمل مشرعة دائماً". 

وفي السياق، أشاد البابا باللبنانيين، متوجهاً إليهم بالقول: "أنتم شعب لا يستسلم، بل يقف أمام الصعاب ويعرف دائماً أن يولد من جديد بشجاعة".

وأردف: "عانيتم الكثير من تداعيات اقتصاد قاتل، ومن عدم الاستقرار العالمي، ومن التشدد وتصادم الهويات ومن النزاعات، لكنكم أردتم وعرفتم دائماً أن تبدأوا من جديد".

وأشاد كذلك "بمجتمع مدني نابض بالحياة"، مخاطباً المسؤولين بالقول: "أشجعكم على ألاّ تنفصلوا أبداً عن شعبكم، وأن تضعوا أنفسكم في خدمة شعبكم الغني بتنوعه، وأن تتحدثوا بلغة الرجاء الواحدة".

عون: باقون مساحة اللقاء الوحيدة في كل منطقتنا

من جهته، قال الرئيس اللبناني جوزاف عون في كلمة ترحيبية للبابا: "أبلغوا العالم عنا، بأنّنا لن نموت ولن نرحل ولن نيأس ولن نستسلم، وبأننا باقون مساحة اللقاء الوحيدة في كل منطقتنا، وأكاد أقول في العالم كله".

وأضاف عون: "بإيماننا بحقنا وبوطننا، باقون هنا نور الشرق ومنارته وملح أرضه، ورسل محبة وخير". 

واعتبر أنّه من "واجب الإنسانية الحية الحفاظ على لبنان، لأنّه إذا سقط هذا النموذج في الحياة الحرة المتساوية بين أبناء ديانات مختلفة، فما من مكان آخر على الأرض، يصلح لها".

وأردف بالقول: "إذا سقط المسيحي في لبنان سقطت معادلة الوطن، وإذا سقط المسلم في لبنان اختلت معادلة الوطن وعدالته"، مؤكّداً أنّ بقاء لبنان الحاضر من حولكم شرط لقيام السلام والأمل والمصالحة. 

وكان في استقبال البابا في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت عدد من المسؤولين، على رأسهم الرؤساء الثلاثة، رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وأيضاً حشود من مختلف الفئات اللبنانية على طريق المطار.

ووقّع بابا الفاتيكان على السجل الخاص بزوار قصر بعبدا، كما التقى الرؤساء والوزراء والكتل النيابية والفعاليات السياسية والمراجع الدينية، في قصر بعبدا.

وأهدى الرئيس بري كتاباً إلى البابا لاوون الرابع عشر.

وتتضمن رحلة البابا، البالغ من العمر 70 عاماً، عدداً من الفعاليات، حيث سيزور 5 مدن وبلدات من اليوم الأحد حتى الثلاثاء ثم يعود إلى روما.

ويتضمن جدول أعماله أيضاً زيارة وصلاة في موقع انفجار مرفأ بيروت، وسيترأس كذلك قداساً في الهواء الطلق في الواجهة البحرية لبيروت، كما سيزور مستشفى للأمراض النفسية.

وأعلن لبنان يومَي عطلة رسمية بمناسبة الزيارة، وتم اتخاذ تدابير أمنية مشددة، بما في ذلك إغلاق الطرق وحظر تحليق المسيّرات، وإقفال المحال التجارية في وسط المدينة مساء الاثنين، قبل القداس المقرر صباح الثلاثاء.

اقرأ أيضاً: رسالة للبابا لاوون... للمشي حيث مشى المسيح