"نيويورك تايمز": ما رأيته في الصين عشية "يوم التحرير"

لقد رأيتُ المستقبل للتو. لم يكن في أميركا بل في الصين وتحديداً في مركز الأبحاث الذي بنته شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة "هواوي".

  • شركة
    شركة "هاواوي"

صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تنشر مقالاً تناول تأثير التوترات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين في الابتكار والتطور التكنولوجي، مشيراً إلى كيفية استفادة الصين من هذه التوترات لتسريع تقدمها في مجالات، مثل الذكاء الاصطناعي والتصنيع، وتحديداً من خلال استثمارات ضخمة في البحث والتطوير.

يتحدث الكاتب توماس إل. فريدمان عن تجربته في زيارة مركز أبحاث شركة "هواوي" في الصين، الأمر الذي أثار لديه مخاوف بشأن التقدم التكنولوجي الذي تحققه الصين في مواجهة العقوبات الأميركية.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

قبل أيامٍ، كنت في شنغهاي واحترتُ أيَّ "أرض غدٍ" (Tomorrowland) سأزور؟ هل أزور أرض الغد المزيفة، المصممة أميركياً، في شنغهاي ديزني لاند، أم أزور أرض الغد الحقيقية، وهي مركز الأبحاث الجديد الضخم، والذي تبلغ مساحته نحو مساحة 225 ملعب كرة قدم، والذي بنته شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة "هواوي"؟ فاخترتُ هذه الأخيرة. 

كان الأمر آسراً ومثيراً للإعجاب، لكنه مُقلقاً للغاية في الوقت نفسه. وهو تأكيدٌ واضحٌ لما أخبرني به رجل أعمال أميركي عمل في بكين لعقودٍ من الزمن: "في الماضي، كان الناس يأتون إلى الولايات المتحدة لرؤية المستقبل. أما الآن، فهم يأتون إلى هنا". 

لم أرَ شيئاً كهذا من قبلُ في مقر شركة "هواوي". لقد بُني هذا المركز في فترة تزيد قليلاً على 3 أعوام، ويتألف من 104 مبانٍ مصممة بشكل فردي، بحدائق مُشذّبة، متصلة بقطار أحادي السكة على غرار ديزني، ويضم مختبرات تتسع لما يصل إلى 35 ألف عالم ومهندس وعامل، بالإضافة إلى 100 مقهى ومراكز لياقة بدنية ومزايا أخرى مصممة لاستقطاب أفضل خبراء التكنولوجيا الصينيين والأجانب.

ويأتي بناء مركز البحث والتطوير "ليانكو ليك" (Lianqiu Lake) رداً على محاولة الولايات المتحدة التضييق على شركة "هواوي" بدءاً من عام 2019 من خلال تقييد تصدير التكنولوجيا الأميركية، بما في ذلك أشباه الموصلات، إلى الشركة وسط مخاوف تتعلق بالأمن القومي. ونتيجة الحظر المفروض، تكبّدت "هواوي" خسائر فادحة، لكن بمساعدة الحكومة الصينية، سعت الشركة للابتكار في مجالها. وكما ذكرت صحيفة " Maeil" الكورية الجنوبية للأعمال العام الماضي، فقد نجحت الشركة في ذلك بالفعل، إذ "فاجأت هواوي العالم بطرح سلسلة هواتف "ميت 60"، وهي هواتف ذكية مزودة بأشباه موصلات متطورة، العام الماضي، رغم العقوبات الأميركية المفروضة". وأتبعتها الشركة بطرح أول هاتف ذكي في العالم قابل للطي 3 مرات، وكشفت عن نظام تشغيلها الخاص للهواتف المحمولة، "هونغ مينغ" (Hongmeng) ("هارموني")، لمنافسة نظامي "آبل" و"غوغل".

بالإضافة إلى ذلك، دخلت الشركة في مجال إنشاء تقنية الذكاء الاصطناعي لكل شيء بدءاً من المركبات الكهربائية والسيارات ذاتية القيادة وصولاً إلى معدات التعدين المستقلة التي يمكن أن تحل محل عمال المناجم من البشر. وأشار مسؤولون في "هواوي" إلى أنه في عام 2024 وحده قامت الشركة بتركيب 100 ألف شاحن سريع في جميع أنحاء الصين لمركباتها الكهربائية؛ في المقابل، خصص الكونغرس الأميركي في عام 2021 مبلغ 7.5 مليارات دولار لشبكة من محطات الشحن، لكن اعتباراً من تشرين الثاني/نوفمبر، لم يكن لدى هذه الشبكة سوى 214 شاحناً عاملاً في 12 ولاية.

من المخيف حقاً ملاحظة هذا الأمر من كثب. فالرئيس ترامب يركز على الفرق التي يمكن للرياضيين الأميركيين المتحولين جنسياً التنافس فيها، بينما تركز الصين على تطوير مصانعها باستخدام الذكاء الاصطناعي لتتفوق على جميع مصانعنا. وتتمثل استراتيجية ترامب في "يوم التحرير" بمضاعفة الرسوم الجمركية إلى جانب تدمير مؤسساتنا العلمية الوطنية وقوانا العاملة التي تحفز الابتكار الأميركي، في حين تتمثل استراتيجية التحرير الصينية في فتح مزيد من الجامعات البحثية ومضاعفة الابتكار القائم على الذكاء الاصطناعي من أجل التحرر الدائم من رسوم ترامب الجمركية. وبالتالي، فإن رسالة بكين إلى الولايات المتحدة هي: لسنا خائفين منكم. فأنتم لستم كما تعتقدون، ونحن لسنا كما تظنون.

ماذا يعني ذلك؟ في عام 2024، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن "صافي ربح شركة هواوي ارتفع أكثر من الضعف في العام الفائت، الأمر الذي يمثل عودة مذهلة" مدفوعة بأجهزة جديدة "تعمل على شرائحها المحلية". ومؤخراً، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن السيناتور الجمهوري جوش هاولي قوله عن الصين: "لا أعتقد أنهم قادرون على القيام بكثير من الابتكار بمفردهم، لكنهم سيفعلون ذلك إذا واصلنا مشاركة كل هذه التكنولوجيا معهم".

هناك إجماع كبير على أن المساحة الآمنة سياسياً هي مهاجمة بكين، وترداد بعض الهتافات وإصدار بعض العبارات المبتذلة التي تقول إن الديمقراطيات ستتفوق دائماً على الأنظمة الاستبدادية في الابتكار. أما أنا فأفضّل التعبير عن وطنيتي من خلال التحدّث صراحة بشأن نقاط ضعفنا وقوتنا، ونقاط ضعف الصين وقوتها، ولماذا أعتقد أن أفضل مستقبل لنا جميعاً، ونحن على مشارف ثورة الذكاء الاصطناعي، ترسمه استراتيجية تسمى: صنع في الولايات المتحدة بأيدي عمّال أميركيين بالشراكة مع رأس المال والتكنولوجيا الصينيَّين. 

لقد وافقتُ مع ترامب بشأن رسومه الجمركية التي فرضها على الصين خلال ولايته الأولى، لأن الصين كانت تمنع دخول بعض المنتوجات والخدمات الأميركية؛ وكان علينا أن نتعامل مع الرسوم الجمركية التي تفرضها بكين بالمثل. فعلى سبيل المثال، ترددت الصين لسنوات في السماح باستخدام بطاقات الائتمان الأميركية في الصين، وانتظرت حتى سيطرت منصات الدفع الخاصة بها على السوق بالكامل وجعلتها مجتمعاً غير نقدي، بحيث يدفع الجميع تقريباً ثمن كل شيء من خلال تطبيقات الدفع المحمّلة في هواتفهم. وعندما ذهبت لاستخدام بطاقة "فيزا" الخاصة بي في متجر في محطة قطار في بكين الأسبوع الماضي، قيل لي إنه يتعين علي ربطها عبر أحد تلك التطبيقات الصينية، أمثال "Alipay" أو "WeChat Pay"، والتي تبلغ حصتها مجتمعة ما يزيد على 90% من حصة السوق.

وأنا أوافق ترامب في أن فرض رسوم جمركية إضافية - مستهدفة - على تطلعات الصين للولايات المتحدة عبر المكسيك وفيتنام قد يكون مفيداً، لكن كجزء من استراتيجية أكبر فحسب، إلا أن مشكلتي تكمن في تفكير ترامب السحري الذي يدّعي أنك بمجرد بناء جدران لحماية الصناعة (أو اقتصادنا بأكمله) ستزدهر المصانع الأميركية سريعاً في وقت قصير وتصنّع هذه المنتوجات في الولايات المتحدة بالتكلفة نفسها ومن دون فرض أي أعباء على جيوب المستهلكين الأميركيين.

إنّ هذا الرأي يتجاهل تماماً حقيقة أنه يتم تصنيع كل منتج معقّد تقريباً اليوم، من السيارات إلى أجهزة "آيفون" إلى لقاحات "mRNA"، بواسطة منظومات تصنيع عالمية عملاقة ومعقدة. ولهذا السبب تتطور هذه المنتوجات باستمرار وتتراجع أسعارها. وإذا كنت تحمي قطاع الصلب، وهي سلعة، فقد تُجدي رسومنا الجمركية نفعاً سريعاً. لكن إذا كنت تحمي قطاع السيارات وتعتقد أن مجرد بناء جدار تعريفي سيُحقق ذلك، فأنت تجهل كيفية تصنيع السيارات. وسيستغرق الأمر أعواماً حتى تتمكن شركات السيارات الأميركية من استبدال سلاسل التوريد العالمية التي تعتمد عليها، وتصنيع كل شيء في الولايات المتحدة. وحتى شركة "تسلا" تضطر إلى استيراد بعض القطع.

كما أنك مخطئ إذا كنت تعتقد أن الصين لجأت إلى الغش لتحقيق الهيمنة الصناعية العالمية. إن ما يجعل اليوم قوة التصنيع الصينية ساحقة ليس أنها تجعل المنتوجات أرخص فحسب، بل إنها أيضاً تجعلها أرخص وأسرع وأفضل وأذكى، ومزوّدة بشكل مطرد بالذكاء الاصطناعي.

من داخل نادي الكفاءة الصيني

يُطلق عليه يورغ ووتكه، الرئيس السابق لغرفة تجارة الاتحاد الأوروبي في الصين، اسم "نادي الكفاءة الصيني"، وهو يعمل كالتالي:

تبدأ الصين التركيز على تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM). وتُخرّج البلاد سنوياً نحو 3.5 ملايين خريج من هذه الاختصاصات، وهو عدد يُعادل تقريباً عدد خريجي برامج الزمالة والبكالوريوس والماجستير والدكتوراه في جميع الاختصاصات في الولايات المتحدة.

وعندما يكون لديك هذا العدد الكبير من خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، يمكنك توظيف مواهب أكثر من أي جهة أخرى لحل المشكلات. وأشار كيث برادشر، رئيس مكتب صحيفة "التايمز" في بكين، العام الماضي، إلى أن "الصين تمتلك 39 جامعة لديها برامج لتدريب المهندسين والباحثين في مجال المعادن النادرة. في حين أن الجامعات في الولايات المتحدة وأوروبا لم تقدم بمعظمها سوى برامج عرضية".

وبينما قد لا يتخرج كثير من المهندسين الصينيين بمهارات تُضاهي مهارات المتخرجين من معهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا، فإن أفضلهم يتمتعون بمستوى عالمي، وهم كثر، إذ يبلغ عدد سكان الصين 1.4 مليار نسمة؛ وهذا يعني أنه في الصين، عندما تكون موهوباً بنسبة واحد في المليون، فهناك 1400 شخص آخر مثلك تماماً. كذلك، تُخرج المدارس المهنية الصينية عشرات الآلاف من الكهربائيين واللحامين والنجارين والميكانيكيين والسباكين كل عام. لذلك، عندما يكون لدى شخص ما فكرة لمنتوج جديد ويريد إنشاء مصنع، يمكن بناؤه بسرعة كبيرة. 

وعندما تقوم برقمنة كل شيء بلا هوادة وتربط كل شيء، بعضه ببعض، يمكنك دخول غرفتك الفندقية والخروج منها بسرعة عبر استخدام تقنية التعرف إلى الوجه فحسب. كما يمكن للمتسولين المُلمّين بالتكنولوجيا والذين يحملون نسخاً مطبوعة من رموز الاستجابة السريعة (QR code)، قبول التبرعات بسرعة عن طريق مسح الهاتف المحمول. إن النظام بأكمله مهيأ للسرعة. وحتى إذا تحديت حكم الحزب الشيوعي، فسيتم القبض عليك بسرعة، نظراً إلى وجود كاميرات مراقبة في كل مكان، وستختفي بسرعة.

وفي حال لم نبنِ نادياً مشابهاً خلف أي جدار جمركي، فلن نجني سوى التضخم والركود، إذ لا يمكن للرسوم الجمركية أن تقودك إلى الرخاء، ولاسيّما في عصر الذكاء الاصطناعي.

قبل 4 أشهر فقط كنتُ في الصين. وبين ذلك الحين والآن، أثبت مبتكرو الذكاء الاصطناعي الصينيون قدرتهم على تطوير محرك الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر الخاص بهم، "DeepSeek"، عبر استخدام عدد أقل كثيراً من الرقائق الأميركية المخصصة. شعرتُ بسحرٍ في مجتمع التكنولوجيا! كان ذلك واضحاً. وخلال الشهر الفائت، صرّح رئيس مجلس الدولة، لي تشيانغ، في حفل افتتاح المؤتمر الشعبي الوطني، بأن الحكومة الصينية تدعم "التطبيق الشامل لنماذج الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع".

وفي هذا السياق، قال مهندس سيارات صيني شاب عمل سابقاً لدى شركة "تسلا" هنا: "الجميع  يتنافس اليوم على مقدار الذكاء الاصطناعي المُستخدم. وأنت تتباهى بمقدار الذكاء الاصطناعي الذي تُدخله. والجميع يصبو إليه. ’سأستخدم الذكاء الاصطناعي، حتى لو لم أكن أعرف كيف أفعل ذلك الآن‘. أنت تستعد لذلك، حتى لو كنت تعمل على خط إنتاج بسيط لتصنيع الثلاجات. "يجب أن أستخدم الذكاء الاصطناعي، لأن رئيسي طلب إلي ذلك".

وإلى متسوقي "كي مارت"، أرجو الانتباه: عندما يكون لديكم محرك تصنيع قوي ومتصل رقمياً، مثل محرك الصين، ثم تقومون بتزويده بالذكاء الاصطناعي على كل مستوى، فهذا يشبه حقن محفز يمكنه التحسين والتسريع لكل جانب من جوانب التصنيع، من التصميم إلى الاختبار فالإنتاج.

وهذا ليس الوقت الملائم للمشرعين الأميركيين لتجنب زيارة الصين خوفاً من أن يطلق عليهم اسم "معانقي الباندا". ووفقاً لهان شين لين، وهو أميركي يعمل مديراً إقليمياً للصين في مجموعة " Asia Group": "لم يكن من المفترض أن يكون محرّك DeepSeek مفاجئاً". فمع كل القيود الأميركية الجديدة المفروضة على الاستثمار الخارجي وتثبيط التعاون، بتنا اليوم غافلين عن التطورات التكنولوجية الصينية. فالصين حالياً تحدد معايير التكنولوجيا المستقبلية من دون مساهمة الولايات المتحدة. وهذا الأمر سيضعنا في وضع تنافسي حرج في المستقبل".

بكين لا تسعى لخوض حرب تجارية

على الرغم من كل نقاط القوة التي تتمتع بها الصين، فإنها لا ترغب في خوض حرب تجارية مع الولايات المتحدة. ويشعر كثير من أبناء الطبقة المتوسطة في الصين بالاستياء حالياً. فلأكثر من عقد من الزمان، استثمر كثيرون من الصينيين أموالهم في شراء الشقق بدلاً من إيداع مدخراتهم في البنوك التي لا تدفع أي فوائد تُذكر. وأدّى ذلك إلى نشوء فقاعة عقارية كبيرة. استفاد منها الكثيرون، ثم تراجعت مع فرض الحكومة شروطاً قاسية على الإقراض العقاري عام 2020. لذا، فهم يدخرون أموالهم لأن أرباحهم من التجارة بالعقارات تبخرت، بينما مدفوعات الحكومة للمعاشات التقاعدية والرعاية الصحية ضئيلة. ويتعين على الجميع الادخار تحسباً للأيام الصعبة.

ووفقاً لزميلي كيث برادشر، فإن التباطؤ الاقتصادي يحرم حكومة بكين من عائدات الضرائب التي تحتاج إليها لتحفيز الاقتصاد ودعم "صناعات التصدير التي تدفع عجلة النمو الاقتصادي، لكنها قد تتضرر من الرسوم الجمركية".

باختصار، إن نادي الكفاءة الصيني رائع، لكن بكين لا تزال بحاجة إلى اتفاقية تجارية مع ترامب تحمي محرك صادراتها. ونحن كذلك، على الرغم من أن ترامب بات لاعباً لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، فهو يغير سياساته كل ساعة، إلى درجة أن المسؤولين الصينيين يتساءلون بجدية عما إذا كان في إمكانهم التوصل إلى أي اتفاق معه يلتزمه.

وفي هذا الصدد، قالت ميشيل جيلفاند، خبيرة التفاوض في جامعة ستانفورد: "يقول المدافعون عن ترامب إن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته تُفقد خصومه توازنهم. لكن المفاوضين الممتازين يدركون أن الثقة هي التي تحقق نتائج دائمة، وليس الفوضى. كما كما أن نهج ترامب القائم على مبدأ الربح والخسارة في عقد الصفقات يُعد لعبة خطيرة. وفي حال استمر في التعامل باستهتار مع حلفائه كونهم أعداء، والمفاوضات كونها ساحات معارك، فإن الولايات المتحدة لا تخاطر في عقد صفقات سيئة فحسب، بل تخاطر أيضاً في عالم لن يبقى فيه أحد للتعامل معه".

في رأيي، إنّ الصفقة الوحيدة التي تُحقق ربحاً للجميع هي ما أسميه: صُنع في الولايات المتحدة بأيدي عمّال أميركيين، بالشراكة مع التكنولوجيا ورأس المال والخبراء الصينيين. أي أننا ببساطة نعكس الاستراتيجية التي اتبعتها الصين لتحقيق الثراء في التسعينيات: صُنع في الصين، بأيدي عمّال صينيين، بالشراكة مع التكنولوجيا ورأس المال والشركاء الأميركيين والأوروبيين والكوريين واليابانيين.

وأوضح جيم ماكغريغور، مستشار الأعمال الذي عاش في الصين مدة 30 عاماً، أنه في السابق كانت الشركات الأميركية الكبرى متعددة الجنسيات تذهب إلى الصين وتقوم بمشاريع مشتركة مع شركة صينية للدخول للسوق الصينية. أما اليوم، فتأتي الشركات الأجنبية إلى الصين وتقول للشركات الصينية متعددة الجنسيات: إذا كنتم تريدون دخول أوروبا، فعليكم إنشاء مشروع مشترك معنا وإحضار التكنولوجيا الخاصة بكم.

ينبغي لنا أن نجمع بين فرض الرسوم الجمركية على الصين والترحيب بدخول الشركات الصينية للسوق الأميركية، من خلال منح الشركات الأميركية ترخيصاً لاستخدام أفضل ابتكاراتها، أو من خلال الشراكة معها وإنشاء مصانع تصنيع متقدمة مناصفةً. في المقابل، يتعيّن على المشاريع الصينية المشتركة في الولايات المتحدة أن تزيد بصورة مطردة في حصة القطع التي تحصل عليها محلياً، بدلاً من استيرادها بصورة غير محدَّدة.

وهذا الأمر سيتطلّب بالطبع جهداً هائلاً لإعادة بناء الثقة، التي أصبحت الآن شبه مفقودة تماماً في العلاقة. وهذه هي الطريقة الوحيدة للوصول إلى تجارة مربحة للطرفين بصورة معقولة. ومن دونها، نتجه جميعنا نحو خسارة. وللتوضيح، في 19 آذار/مارس، وافق مجلس شيوخ ولاية تكساس مبدئياً على مشروع قانون يمنع المقيمين والشركات الموجودة في كل من الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا من امتلاك عقارات في تكساس. إن إدراج الصين في هذه القائمة يُعد أمراً سخيفاً للغاية، كأنهم يقولون دعونا نحظر بعضاً من أعظم العقول في العالم بدلاً من وضع حوافز وشروط لها للاستثمار في تكساس.

متى بلغ بنا الخوف إلى هذا الحد؟ ومتى فقدنا إدراكنا للعالم الذي نعيش فيه؟ يمكنكم إدانة العولمة كما تشاءون، لكن هذا لن يُغيّر حقيقة، مفادها أنّ الاتصالات والتجارة والهجرة وتغير المناخ جمعتنا ووحدت مصائرنا. وأخبرني دوف سيدمان، مؤلف كتاب (How: Why How We Do Anything Means Everything)، بأنه عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة والصين - والعالم أجمع - "لم يعد الترابط خيارنا، بل وضعنا الراهن. وخيارنا الوحيد هو إما ننشئ ترابطاً صحياً وننهض معاً، وإما نحافظ على ترابط غير صحي ونسقط معاً". وحتى يدرك قادة البلدين هذا الأمر، ماذا سيبقى من الاقتصاد العالمي الموحد الذي أنتج كل هذه الثروة لكلا البلدين؟

نقلته إلى العربية: زينب منعم