الذكاء الاصطناعي و"التزييف العميق".. حقبة جديدة من الحروب (1-2)

يعيد التزييف العميق تشكيل مفاهيم الحقيقة والواقع في عصر يهيمن فيه الذكاء الاصطناعي على الإعلام والحروب والمعلومات.

  • الذكاء الاصطناعي و
    الذكاء الاصطناعي و"التزييف العميق".. حقبة جديدة من الحروب (1-2)

انتشرت تقنية التزييف العميق بفضل تطور الذكاء الاصطناعي وباتت في متناول الجميع. الفيديوهات التي يمكن توليدها بواسطة هذه التقنية تصبح مع مرور الوقت أكثر احترافية وأقل قدرة على الاكتشاف، رغم أن التزييفات الاحترافية لا تزال تتطلب مهارات وتقنيات متقدمة. 

يتيح التزييف العميق "DeepFake" إنشاء أو تعديل محتوى مرئي أو صوتي بطريقة تبدو واقعية، لكنها في الحقيقة مزيفة، ما يتيح إمكانية تحريف الحقائق أو انتحال الهوية بطرق يصعب اكتشافها.

سبق إمكان تزوير الفيديوهات بسنوات ظهور تقنية تزوير الصوت التي تعرف باسم "Deep Voice"، وهي من تطبيقات التزييف العميق، التي تعتمد على محاكاة الصوت البشري باستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث يقوم الكمبيوتر بإنتاج صوت مطابق لصوت الشخص المستهدف استناداً إلى تسجيلات صوتية سابقة. 

هل يلزم ذلك إجراء مراجعة لسنوات طويلة خلت من أجل تتبع ملفات شائكة ومريبة جرى فيها الدفع بأدلة صوتية وتسريب مكالمات بغرض إدانة أطراف سياسية معينة أو التلاعب بالرأي العام؟ ربما، لو كانت هناك جهات تعرضت إلى ما يشبه ذلك وبقيت تنفي طوال الوقت صحة المواد المعروضة على الرأي العام. 

لكن السؤال على وجاهته ليس إلا توطئة لأمر آخر يدور في صلب الموضوع ويمكن التعبير عنه بطريقة أخرى: إذا كانت أدوات الذكاء الاصطناعي، المدهشة بحق، باتت اليوم في متناول الجميع، فكم مضى على وجودها في حوزة جهات قوية ونافذة مثل وكالات الاستخبارات التي تمتلك إمكانات متقدمة؟ وما مدى تطور البرامج التي تحوزها تلك الأجهزة اليوم مقارنة مع ما بات بين أيدي الناس؟

بعيداً من نظرية المؤامرة

ينبغي الحذر من الانسياق وراء نظرية المؤامرة أو الأحكام الجاهزة في البحث عن إجابات. لم تعد هذه التقنية حكراً على طرف واحد اليوم، بحيث باتت الصين تنافس الولايات المتحدة بشدة في هذا المضمار وتُتهم روسيا بأنها تتلاعب بالناخبين الأميركيين والرأي العام الأوروبي عبر الذكاء الاصطناعي و"التزييف العميق". الجواب قد لا يأتي بالضرورة متناغماً مع أي إثارة مفتعلة، لكن استعادة ظاهرة نشوء الإنترنت قد تشكّل دافعاً إلى التفكير في الموضوع من أكثر من زاوية.

نشأ الإنترنت في أواخر الستينيات كمشروع عسكري تابع لوزارة الدفاع الأميركية، حيث بدأت بتطويره وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة (ARPA) تحت اسم ARPANET ، بهدف إنشاء شبكة اتصال مقاومة للانقطاع يمكنها ربط المنشآت العسكرية والجامعات البحثية.

في البداية، ظل استخدام الإنترنت محصوراً في المجالين العسكري والأكاديمي حتى سمحت الحكومة الأميركية في منتصف الثمانينيات باستخدامه في الأغراض المدنية، ومع ظهور شبكة الويب العالمية (WWW)  في عام 1991، أصبح الإنترنت متاحاً للجمهور على نطاق واسع، أي أن الأمر تطلب على الأقل عقدين من الزمن قبل أن يُتاح للعموم، وإن بقيت أشياء غير متاحة بطبيعة الحال. 

حروب الذكاء الاصطناعي

لا نغامر كثيراً إذا قلنا بأن ما بقي محتكراً من قبل المجمع العسكري الأميركي كان أكثر تقدماً وتعقيداً مما هو متاح للجمهور. لا يخرج عن هذا الاستنتاج الكثير من الخدمات والأدوات المستخدمة لأغراض مزدوجة، عسكرية ومدنية.

يشكّل الذكاء الاصطناعي، الذي نعاينه اليوم، أحدث ثورة في مجال هذه الأدوات. وإذا كان بالإمكان وسم بعض الحروب الحديثة مثل الحرب الروسية- الأوكرانية والحرب الأذربيجانية- الأرمنية باعتبارهما مختبراً وشاهداً على فعالية سلاح المسيرات وخطورته في تاريخ المعارك، فإن الحرب الأخيرة التي ما فتئت تشنها "إسرائيل" على غزة ولبنان وسوريا، هي من دون شك واحدة من الحروب التي دشّنت استخدام جيل جديد من الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في العمليات العسكرية.

بيد أن تطويع "إسرائيل" لبرامج تعتمد على الذكاء الاصطناعي يعود إلى سنوات سابقة على حرب "طوفان الأقصى". من ذلك برامج ذاع صيتها وأعلنت عنها "تل أبيب" مثل برامج (The Gospel) و(Lavender) و(Where’s Daddy?) و(Fire Factory) و(Habsora). هذا ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارته لقاعدة عسكرية في أيلول/ سبتمبر 2024، إلى الإشادة بقدرات "إسرائيل" التقنية والاستخبارة المتقدمة التي تضمن وفق رأيه تفوّقها على أعدائها في المنطقة.

لكن، في "إسرائيل" كما في أميركا، وكما يشهد تاريخ الأمم، تدلّ التجارب على أن أكبر القدرات والتقنيات تتيح مزايا وتخلق فجوات لكنها لا تضمن نصراً مطلقاً بالضرورة أو نهاية التاريخ. حروب أميركا في العراق وأفغانستان كفيلة بالحد الأدنى للاستدلال على ذلك، كذلك، وبشكل خاص، فشل "إسرائيل" في توقع عملية "طوفان الأقصى" وعجزها عن صدّ الهجوم، رغم التفوق التقني الهائل لصالحها، ورغم امتلاكها (قبل العملية) برامج الذكاء الاصطناعي آنفة الذكر. 

في هذا السياق، يشير البروفيسور الإسرائيلي إيال زيسر (نائب رئيس جامعة تل أبيب والخبير في التاريخ الحديث لسوريا ولبنان والصراع العربي- الإسرائيلي) إلى أن "إسرائيل" كانت تعتقد أن تفوقها التكنولوجي والاستخباري والعملياتي يجعل من الصعب على القوى المحيطة بها مفاجأتها أو مهاجمتها، ما حدا بها وفق زيسر إلى الاستنتاج أنه من الممكن الاكتفاء بـ"جيش" صغير وذكي، وأنه لم تعد هناك حاجة إلى تركيز الجهد على محاولة التحذير من الحرب أو الاستعداد لها.

يحيلنا هذا الأمر إلى ما ينبّه إليه المرشد الإيراني علي خامنئي على الدوام من ضرورة عدم المبالغة في قدرات الأعداء، وفي الوقت نفسه، عدم التهوين منها. 

نهاية التاريخ؟

لا يخفى أن هناك موجة موجّهة تحضّ اليوم على الاستسلام والتسليم إلى مشيئة أميركا و"إسرائيل" تحت ذرائع شتّى، منها ذريعة عدم القدرة على المواجهة. لكن، منذ نشوء "إسرائيل"، كانت هناك على الدوام فجوات في القدرات العسكرية والتقنية والمادية لصالحها. 

لم تأت نظرية نهاية التاريخ لفرنسيس فوكوياما من فراغ إنما في إطار نظري يجلي فكرة سيطرة النموذج الأميركي الأبدي، قبل أن يدحض هذه الفكرة لاحقاً كثير من المؤشرات والتطورات. لا تلوح الأوهان التي تعتري مثل هذه الأحكام القطعية في البداية، لكن يلزمها بعض الوقت قبل أن تعمل حركية التاريخ على تعريتها.

على هذا المنوال، فإن ما بدا لحظة سقوط الاتحاد السوفياتي من انطباعات بفعل التبعات النفسية الناجمة عن دويّ الارتطام، أخذ يتبدّد رويداً مع مرور الوقت.. لم يتطلب الأمر سنوات طويلة. 

ورغم أن سقوط الاتحاد السوفياتي قبل نحو 35 عاماً لم يفسح المجال طويلاً كي ينعم النظام العالمي الأحادي (الأميركي) باطمئنانه إلى الاستفراد بعرش العالم من دون منازع لعقود طويلة قبل أن تظهر تحديات تهدد ريادته مستقبلاً، كذلك فإن نهاية تاريخ المنطقة أمر غير قابل لدمغه بالشمع الأحمر، رغم النكسة التي أصابت قوى المقاومة، ورغم ما أصاب موازين القوى من اختلالات إثر 7 أكتوبر 2023. ويكفي في هذا الإطار أن نتذكّر أن نكسة العام 1967 لم تصمد سوى 6 سنوات قبل أن تقلب حرب العام 1973 المشهد من جديد، مع الأخذ بعين الاعتبار الفارق في الظروف بين الزمنين.

التنبؤ بالذكاء الاصطناعي قبل ظهوره

بالعودة إلى الذكاء الاصطناعي، فإنه لم ينشأ في السنوات الأخيرة، رغم أن ارتباطه بالابتكارات والأدوات الجديدة مثل chatGPT وDeepseek يعد مفهوماً ومبرراً. يمكن ربط الذكاء الاصطناعي بداية بالأتمتة والحوسبة، ويمكن أن نحيل إليه تعريفاً باعتباره ذكاء من إنتاج الآلة بدءاً من الآلة الحاسبة مروراً بالكومبيوتر. ولذا، يمكن الإيجاز بالقول إنه في حين شهد الذكاء الاصطناعي (AI) تطوراً كبيراً منذ نشأته في الخمسينيات، لكنه حقق قفزات نوعية في العقدين الأخيرين.

في السنوات الأخيرة، بدأ العالم يشهد سحراً جديداً لا بد أن تكون له مفاعيله وآثاره العميقة في الحضارة والثقافة الإنسانيتين وصولاً إلى البرمجة العصبية في الدماغ البشري ومفاهيمنا عن الواقع والحقيقة، وبشكل بديهي انعكاساته على الاقتصاد والاجتماع والمجالات العسكرية والأمنية. 

في عام 2017، قدمت شركة OpenAI نموذج GPT-1، ومهدت الطريق لنماذج لغوية أكثر تطوراً، ثم في عام 2022 قدمت الشركة للمستخدمين واجهة تفاعلية متقدمة، جعلت الذكاء الاصطناعي متاحاً للجميع، قبل أن تظهر نماذج منافسة أكثر تقدماً مثل Deepseek من الصين.

اللافت في هذا المضمار أن أفلام هوليوود تنبأت بالذكاء الاصطناعي قبل ظهوره وتنبأت بدقة بتطوره، وأثارت تساؤلات أخلاقية لا تزال قائمة اليوم، ومن ذلك تحديات أمام النظام القضائي والقانوني لا سيما ما يتعلق باعتمادية وشرعية الأدلة المصورة (الفيديو) في ضوء تحديات التزييف العميق.

من تلك الأفلام Enemy of the State (1998) الذي استبق ظهور الذكاء الاصطناعي الحديث في المراقبة الجماعية، حيث تستخدم وكالة الأمن القومي تقنيات متقدمة لتتبع الأفراد، وهو ما نراه اليوم مع الذكاء الاصطناعي في تحليل الفيديوهات والبيانات. وفيلم ( Minority Report (2002 الذي استند إلى فكرة التنبؤ بالجريمة عبر تحليل البيانات، وفيلم (Spectre (2015 الذي يظهر كيف يمكن لذكاء اصطناعي متطور أن يسيطر على نظم الاستخبارات ويخترق الاتصالات. ويمكن لكل منا أن يستعيد مجموعة من الأفلام في ذاكرته بدءاً من الثمانينيات وصولاً إلى سنوات قليلة سابقة على ظهور الذكاء الاصطناعي بهذه الإمكانات والقدرات.