تركيا العثمانية.. شرق أوسط قديم أم جديد!

لم يتأخّر إردوغان مع بداية الأحداث في سوريا في الحديث عن خارطة الميثاق الوطني التي سوّق لها الإعلام الموالي وهو يقول إن "حلب ولاية تركية عثمانية حالها حال معظم المحافظات في الشمال السوري والعراقي التي يجب ضمّها إلى تركيا".

  • ينتظر الجميع ما سيطلبه  ترامب من الرئيس إردوغان خلال لقائه به الشهر القادم.
    ينتظر الجميع ما سيطلبه ترامب من الرئيس إردوغان خلال لقائه به الشهر المقبل.

بين الحين والحين ومنذ اتفاقية سيفر لعام 1920 تتحدّث الأوساط السياسية في الغرب والمنطقة عن حقّ الكرد في إقامة دولتهم المستقلة على الرغم من الخلافات فيما بينهم على الصعيد الوطني أي في كل دولة هم يعيشون فيها، أو على صعيد العلاقات فيما بينهم من دولة إلى أخرى أي تركيا والعراق وإيران وسوريا.

فبعد التجربة الأولى في إيران حيث تمّ الإعلان عن جمهورية مهاباد الكردية في 22 كانون الثاني/يناير 1946، والتي لم تعش سوى 11 شهراً وتمّ إعدام مؤسّسها قاضي محمد، عاش الكرد تجربتهم الثانية وهذه المرة في العراق بعد أن هزم الأميركيون صدام حسين في حرب الكويت 1991، ثمّ احتلوا العراق عام 2003 وفرضوا النظام الفدرالي وأقاموا  الكيان الكردي المستقل في شمال البلاد.

ومن دون أن يحالف الحظ رئيس هذا الكيان مسعود البرزاني في مساعيه لإعلان الاستقلال التامّ من خلال استفتاء شعبي خطط له في أيلول/سبتمبر 2017  بعد أن اعترض  الجميع في المنطقة والغرب على ذلك بحجة انشغالهم  بما يسمّى بـ "الربيع العربي" وتبعاته وانعكاساته على مجمل معطيات المنطقة وبشكل خاص في سوريا.

وجاء الأميركيون نهاية 2014 إلى شرق الفرات لمقاتلة "داعش" مع حلفائهم الكرد الذين  تحوّلوا لاحقاً إلى عنصر أساسي في مجمل المخططات الأميركية، وأعلنت معظم العواصم الأوروبية و "تل أبيب" عن دعمها لهم ولمنظّماتهم السياسية والعسكرية، أي وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وأخيراً قوات سوريا الديمقراطية والكرد يشكّلون عمودها الفقري.

وفشلت أنقرة في مساعيها لكسبهم إلى جانبها في بداية الأحداث في سوريا عام 2011 عندما دعي الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني السوري صالح مسلم عدة مرات لزيارة تركيا للفترة من 2012-2015 ووعده وزير الخارجية آنذاك أحمد داود أوغلو بالاعتراف للكرد بكامل حقوقهم في سوريا الجديدة الفدرالية  بعد التخلّص من بشار الأسد.

ورفض الكرد آنذاك هذا الاقتراح وربما بتعليمات أو توجيهات من واشنطن التي كتبت مجمل سيناريوهات المنطقة بما فيها اللقاء الأخير بين مظلوم عبدي والرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع الذي استلم السلطة في دمشق.

وهذا هو حال تركيا باعتبار أنها وريث الدولة العثمانية التي يتغنّى الرئيس إردوغان منذ استلامه للسلطة بداية 2003 بأمجادها التي تجاهلها أتاتورك مؤسّس الجمهورية العلمانية التي يسعى إردوغان منذ 22 عاماً للتخلّص من إرثها وأفكارها وثقافاتها بل وحتى انعكاساتها على الدولة والأمة التركية التي يخطّط إردوغان لاستلامها.

ولهذا السبب أدّى الرئيس إردوغان دوراً أساسياً في مجمّل تطوّرات "الربيع العربي" الإسلامي الذي جاء بعد سنوات من الإعلان عن مشروع الشرق الأوسط الكبير (حزيران/يونيو 2004)، وقال إردوغان آنذاك إنه "الرئيس المشترك " لهذا المشروع الأميركي الذي ما زال ساري المفعول وأياً كان الحاكم في واشنطن ديمقراطياً أو جمهورياً.

وجاء العدوان الإسرائيلي على غزة ومن بعده لبنان وأخيراً إسقاط النظام في دمشق ليساهم في ترسيخ هذا الدور التركي الذي استعدّت له مسبقاً عندما أطلق زعيم حزب الحركة القومية دولت باخشالي حليف إردوغان في الأول من تشرين الأول/أكتوبر مبادرته للمصالحة مع حزب العمال الكردستاني  التركي وذلك قبل 70 يوماً من تغيير النظام في سوريا.

وبات واضحاً أنّ هذا التغيير قد تحقّق في إطار خطة إقليمية دولية استعمارية تمّ الإعداد لها منذ ما لا يقلّ عن عام لم يدرك الرئيس الأسد ومن معه معطياتها الدقيقة رغم أنها كانت واضحة للعلن.

وثبتت صحتها بالتطوّرات اللاحقة لسقوط النظام واستلام أبي محمد الجولاني وحلفائه للسلطة برضى وتأييد ودعم العواصم الغربية والعربية وأنقرة التي يعرف الجميع أنها كانت وما زالت صاحبة القرار في دمشق وكلّ مؤسسات الدولة السورية الجديدة.

وجاء الاتفاق الذي وقّع عليه الرئيس المؤقت أحمد الشرع مع القائد العسكري لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ليذكّر الأوساط السياسية التركية بمساعي واشنطن وحليفاتها العواصم الاستعمارية لندن وباريس التي شجّعت الحكومات التركية بين الحين والحين لوضع كرد المنطقة تحت الوصاية التركية باعتبار أنّ أنقرة عضو في الحلف الأطلسي والمعسكر الغربي عموماً.

وكانت المبادرة الأولى عام 1965 عندما أوصلت واشنطن سليمان دميرال إلى السلطة واقترحت عليه العمل على "تشكيل تحالف إقليمي بين كرد تركيا والعراق وإيران تحت إشراف أنقرة التي ستصبح حينها قوة إقليمية كبيرة"، وفق الاقتراح الأميركي الذي تحدّث عنه رئيس المخابرات الوطنية التركية آنذاك شادي كوجاش في مذكّراته التي نشرها عام 1977 وألقت الضوء على مجمل التطورات التركية اللاحقة في القضية الكردية داخلياً وإقليمياً.

حيث اقترح الرئيس كنعان إيفرين قائد الانقلاب العسكري في أيلول/سبتمبر 1980 تقسيم تركيا إلى ثماني مقاطعات معترف لها بصلاحيات واسعة بما فيها مقاطعتان يشكّل فيهما الكرد الأغلبية جنوب شرق البلاد.

وكرّر الرئيس الراحل تورغوت أوزال الذي استلم السلطة نهاية 1983 كرئيس للوزراء هذا الاقتراح الذي لم يحالفه الحظ للتطبيق بسبب العمليات العسكرية التي بدأها حزب العمال الكردستاني في آب/أغسطس 1984.

وحظي الحزب منذ انطلاقته هذه بدعم من دمشق (حافظ الأسد) وبغداد (صدام حسين) في الوقت الذي كان فيه كرد العراق وعائلة البرزاني يحظون بدعم أنقرة التي أرادت أن تستغلّ الحرب العراقية - الإيرانية (1980-1988) ولاحقاً حرب الكويت، فبدأت تتحدّث عن ما يسمّى بخارطة الميثاق الوطني لعام 1920 والتي كانت ترى في شمال سوريا والعراق من ريف اللاذقية إلى حلب ثم الرقة والقامشلي إلى أربيل والموصل والسليمانية جزءاً من تركيا الحالية.

ودفع ذلك الرئيس تورغوت أوزال للحديث عن هذا المشروع عندما طلب من رئيس الأركان نجيب تورومتاي اجتياح شمال العراق وضمّه إلى تركيا بعد هزيمة الجيش العراقي في حرب الكويت عام 1991. ورفض تورومتاي هذا الأمر الذي اعترض عليه الرئيس جورج بوش وأمر بإرسال قوات أميركية إلى جنوب شرق تركيا لحماية الكرد من أيّ هجوم عراقي محتمل.

وبقيت هذه القوات التي سمّيت بقوات المطرقة في جنوب شرق تركيا وشمال خط العرض 36 العراقي إلى أن قرّرت واشنطن احتلال العراق عام  2003.

وجاء "الربيع العربي" بداية 2011 ليذكّر الرئيس إردوغان بما تحدّث عنه الرئيس تورغوت أوزال والذي رفع بعد سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1990 شعاره القومي "أمة تركية واحدة من البحر الأدرياتيكي إلى حدود الصين"، وقال عنه أوزال إنه "ذو مضمون ديني وقومي" أعجب به الأميركيون باعتبار أن هذه "الأمة" كانت تضمّ الجمهوريات الإسلامية ذات الأصل التركي في آسيا الوسطى والقوقاز وهي الحديقة الخلفية لروسيا الفدرالية الجديدة.

ولم يتأخّر إردوغان مع بداية الأحداث في سوريا في الحديث عن خارطة الميثاق الوطني التي سوّق لها الإعلام الموالي وهو يقول إن "حلب ولاية تركية عثمانية حالها حال معظم المحافظات في الشمال السوري والعراقي التي يجب ضمّها إلى تركيا".

وجاء تغيير النظام في دمشق بدعم بل تدخّل تركي مباشر ليدعم حسابات أنقرة في سوريا وعبرها في المنطقة التي يتمنّى الرئيس إردوغان لها أن تكون ورقته الرابحة في مساوماته الحالية والمستقبلية مع العواصم الإقليمية والدولية.

ودفع ذلك أنقرة للعودة إلى توصيات واشنطن لها منذ أكثر من ستين عاماً ليدعم ذلك مخططاتها ومشاريعها الخاصة بتبنّي الورقة الكردية إقليمياً، وهذه المرة بضمّ كرد سوريا إليها ليكون الجميع من كرد سوريا والعراق وتركيا وإيران ومن خلال حزب العمال الكردستاني وذراعيه السوري وحدات حماية الشعب والإيراني باجاك تحت الوصاية التركية.

مع الإشارة إلى مساعي أنقرة لإقناع  الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي بزعامة عائلة البرزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة عائلة الطلباني للانضمام إلى هذا المشروع، خاصة وأنّ مسعود البرزاني وجلال الطلباني سبق لهما أن أعلنا عن تأييدهما لخطة الرئيس تورغوت أوزال عام 1991 لضمّ الشمال العراقي إلى تركيا.

ومن دون أن تهمل الأوساط السياسية والإعلامية الحديث من جديد عن مثل هذه الأطروحات التي قد تدغدغ مشاعر الأوساط القومية التركية، في الوقت الذي لا يخفي فيه غالبية الشعب التركي قلقه بل تخوّفه من هذا الاحتمال الذي سيؤدّي لاحقاً إلى تقسيم تركيا، وفق قناعات هذه الغالبية خاصة بعد جلوس أحمد الشرع كرئيس للجمهورية العربية السورية جنباً إلى جنب مع مظلوم عبدي "المتمرّد والإرهابي" وفق وجهة نظر الرئيس إردوغان.

وبات واضحاً أنه يسعى لصياغة مخططات ومشاريع مختلفة من خلال المصالحة مع زعيم العمال الكردستاني عبد الله أوجلان. وقد يريد له الغرب الاستعماري أن  يجلس جنباً إلى جنب مع الرئيس إردوغان كما جلس عبدي إلى جانب الشرع، وكما أصبح الكردي جلال الطلباني رئيساً لجمهورية العراق التي احتلها الأميركيون وكتبوا دستورها وصاغوا مستقبلها المعروف من الجميع. 

وفي نهاية المطاف وإلى أن نسمع ما قاله إردوغان للرئيس ترامب خلال اتصاله الهاتفي به في الـ 18 من الشهر الجاري وردّ الأخيرعلى ذلك يبدو واضحاً أن أنقرة ستستمر في مخططاتها ومشاريعها الإقليمية، وهي تعي جيداً أنها الأقوى في سوريا وليبيا والصومال والعراق ودول أخرى ولو بنسب أقل.

ولن تتأخّر أنقرة في إلقاء الخطوات العملية اللازمة كي تتحكّم بالورقة الكردية وتستغلّها في مجمل مساوماتها الإقليمية وقبل أن تتحكّم بها الأطراف الأخرى في الخارج والمنطقة بعد أن أثبتت الأنظمة العربية أنها في واد آخر ولا حول لها ولا قوة طالما أنّ إرادتها مرهونة لدى ترامب.

وينتظر الجميع ما سيقوله أو سيطلبه من الرئيس إردوغان خلال لقائه به الشهر المقبل ليس فقط في موضوع الكرد تركياً وسورياً وعراقياً بل إيرانياً أيضاً طالما أنّ طهران ستكون الهدف الجديد للثنائي ترامب - ونتنياهو.

ويبدو واضحاً أنهما يريدان لإردوغان أن ينضمّ إليهما مقابل دعم مطلق له ومساعدته للتخلّص من منافسيه ومعارضيه، كما هو الحال في موضوع أكرم إمام أوغلو المنافس الأقوى لإردوغان في الانتخابات المقبلة.

ويجعل ذلك من تركيا ساحة للحسابات والمساومات الأميركية والأوروبية والروسية والخليجية بعد أن بات واضحاً أنّ تركيا الغد لا ولن تكن تركيا الأمس بكلّ معطياتها الداخلية والخارجية التي لواشنطن والعواصم الاستعمارية تأثير مباشر وغير مباشر فيها طالما أنّ تركيا على حافة الإفلاس الاقتصادي والمالي، والوضع الداخلي معقّد وخطير وشعبية إردوغان في أدنى مستوياتها منذ 22 عاماً، وهو ما قد يدفعه لمزيد من المغامرات التي اعتاد عليها منذ "الربيع العربي" ويعتقد أنه حقّق من خلالها الكثير من المكاسب القومية والمذهبية ويسعى الآن وعبر سوريا وبضوء أخضر من ترامب للمزيد منها على طريق إحياء ذكريات التاريخ الذي يدغدغ مشاعر الغرب الاستعماري وهو على طريق سايكس بيكو 1916 ووعد بلفور 1917 وسيفر من 1920 وحتى يومنا هذا!